فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5967 من 36903

أما الخطأ في الإسناد فقد قال ابن لهيعة فيه:''عن موسى بن عقبة حدثني بسر بن سعيد''، إذ إن موسى بن عقبة لم يقل: ''حدثني بسر''، و إنما قال: ''سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد''، وصار هذا الحديث مشهورا عن أبي النضر، حتى أصبح لدى الحفاظ أن صاحب هذا الحديث هو أبو النضر لا غير، وما من راو يقول غير ذلك إلا وقد خالف الواقع، ولا يدرك ذلك إلا من لديه معرفة تامة عن هذا الواقع الحديثي.

وبهذه الأمثلة تبين لنا جليا أن العلة عبارة عن خطأ الراوي، سواء أكان ثقة أم ضعيفا، سواء أكان الوهم في الإسناد أم في المتن أم في كليهما.

الدلائل على العلة

لقد مضى أن العلة لا تعرف إلا بالقرائن والملابسات التي تحيط بالحديث، ويتوقف ذلك على قدر كبير من الحفظ والفهم والمعرفة، ومن هنا قال بعضهم:''معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل''، وقال آخر: ''هي إلهام، لو قلت للقيم بالعلل: من أين لك هذا؟ لم تكن له حجة''، يعني حجة يقتنع بها العوام، وإلا فلدى النقاد قرائن وحجج قد تفيد اليقين.

(1) - التمييز ص:14.

وحسب الخلفيات العلمية التي يتميز بها الناقد تتفاوت العلل في مستوى الظهور والغموض، ففي العلل ما هو أغمض وأدق ولا يدركه إلا الجهبذ الفطن لما يتميز به من ذوق حديثي، ولا يملك فيه عبارة توفي بإحساسه في ذلك، أو أسلوبا يقتنع به الباحثون العاديون، وهنا يتحقق القول بأن العلة إلهام أو كهانة، وكثيرا ما يتجسد ذلك في مسألة التفرد بشكل أوضح.

يقول أبو حاتم: ''جاءني رجل من جِلَّة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر فعرضه علي، فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح''.

''فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت:لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدعي الغيب؟ قال قلت: ما هذا ادعاء الغيب، قال:فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقا علمت: أنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم''.

''قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب، فأخذ فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي، وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت إنه باطل قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت: إنه منكر قال هو منكر كما قلت، وما قلت: إنه صحاح قال أبو زرعة: هو صحاح، فقال: ما أعجب هذا، تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما''.

''فقلت: فقد ذلك (1) أنا لم نجازف وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا، والدليل على صحة ما نقول بأن دينارا نَبهَرجا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار نبهرج؟ ويقول لدينار: هو جيد، فإن قيل له من أين قلت أن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل: فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علما رُزِقتُ، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك''.

''قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين فيقول:هذا زجاج ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج و أن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج؟ قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغَ هذا زجاجا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقت، وكذا نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر إلا بما نعرفه'' اهـ (2) .

وهذه القصة يجب أن تلفت انتباهنا إلى ما تضمنته من النقاط، وهي:

أولا: منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف واحد، إذ يقوم هذا المنهج على الخلفية العلمية الحديثية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت