من لا تزال نفسه توفي على شرف ... توشك مقادير تلك النفس أن تقعا
لما انتهينا وباب الدار منطبق ... لخوف رملة ريع القلب فارتدعا
فلما دخل عليه خلا به وأخرج أهل بيته فقال: يا يزيد: جاء أمر الله، وهذا أوان هلاكي فما أنت صانع بأمر هذه الأمة بعدي؟ فمن أجلك آثرت الدنيا على الآخرة وحملت الوزر على ظهري لتعلو بني أبيك، فقال: آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه، واقتلهم عليه. فقال: ويحك ألا تسير بسيرة أبي بكر الذي قاتل أهل الردّ ة ومض والأمة عنه راضون؟ قال: لا إلاّ أخذهم بكتا'ب الله وسنة نبيه واقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة عمر الذي جنّد الأجناد، ومكّر الأمصار، وفرض العطية، وحيا الفيء، وقاتل العدوّ، ومضى والأمة عنه راضون؟ قال: لا إلا آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه واقتلهم عليه. قال: أو لا تسير بسيرة عّمك عثمان الذي أكل في حياته وأطعم في مماته، واستعمل أقاربه؟ قال: لا إلا آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه واقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة أبيك الذي أكل في حياته وأطعم في مماته وحمل الوزر على ظهره؟ قال: لا. قال: يا يزيد انقطع الرجاء منك انك ستقاتل هؤلاء كلهم فتقتل خيار قومك، وتغزو حرم ربك بأوباش الناس وتطعمهم يومهم ظلما بغير حق، ثم تفجؤك المنيةّ فلا دنيا أصبت ولا آخرة أدركت. يا يزيد أما إذا لم تصب الرشد فإني قد وطأت لك الأمور وأذللت لك أعز العرب، وأخضعت لك أهل الشرف والكرم، وكفيتك الحلّ والترحال، وجمعت لك ما يجمع واحد، ولست أخشى عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا ثلاثة نفر، الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير.
فأما ابن عمر فننهد اشتغل بالعبادة وخلا من الدنيا وشغل نفسه فليس ينازعك عليها أو تجيئه عفوا، وأما الذي يجثم جثوم السبع ويروغ روغان الثعلب إن أمكنته فرصة وثب عليها فابن الزبير فان هو فعل وتمكنت منه فقطعه أربا أربا ألا أن يطلب صلحا فان طلب فافعل. واحقن دماء قومك تمل قلوبهم