الصفحة 202 من 230

الكلام أن يكون رجل له صديق مناصح له، وله عدو مكاشح له ومظهر له الموده نفاقا ومسر العداوة فقال له صديقه: إن فلانا عدوّ لك. فقال: ما هو بعدو لي ولكنه صديق. فقال له صديقه في الحقيقة: هيهات ليس الأمر كما قدرت وانه لعدوّ عليك. ثم أقبل عليه فقال: ما أغفله عنك. أي إن عدوّك غافل عنك ولو علم أنّك هكذا واثق به لأهلكك. ثم قال له بعد ذلك شيئا فنصبه بفعل مضمر كأنه قال: فكر شيئا وانظر شيئا. أي انك لو فكرت أدنى فكر ونظرت أدنى نظر بان لك انه عدو لك ولم تركن إليه بعد هذا. وشيء يستعمل موضع ما يقل مقداره جدا، كقولك: هذا الدينار يزيد قيراطا وحبتين. فإذا كان مقدار الزيادة يسيرا جدا قيل: هذا الدينار يزيد شيئا. وكذلك وضع الرجل الشيء في مسألته مكان أدنى نظر وفكر. فغمض هذا الكلام لما قلّ استعمال هذا المضمر الذي ذكرناه في كلامهم. فهذا هو معنى قول سيبويه يعقب: ما أغفله عنك شيئا. أي دع الشك؟، هذا واضح بينّ وهو معنى المسألة في الحقيقة وهو من المضمرات التي تخفي على من لم يسمعها مظهرة، ألا ترى أنّ الناصب لشيء ليس المذكور في أول الكلام وإنّما ذكر سيبويه هذا الكلام في باب لولا والمضمر بعد هذا. ونظيره قول العرب: كان ذلك حينئذ الآن. ألا ترى إن حينئذ زمان قد مضى، والآن زمان أنت فيه. وإنما معنى الكلام: كان ذلك حينئذ واستمع، أنت إليّ الآن. أو لا ترى ان المضمر الذي يتصل به الآن غير الكلام المذكور أولا، وكذلك المضمر في باب لولا لأنك إذا قلت: لولا زيد لأكرمتك. إنما ترفع زيدا بالابتداء ولا خبر له في الظاهر وإنّما الخبر مقدر مضمر، والتقدير لولا زيد أهابه وأجلّه أو ما أشبه ذلك، لأكرمتك، فاللام جواب والخبر مضمر على ما ذكرت لك، ولابد من هذا الإضمار وإلاّ كان الكلام غير مستقيم.

والمضمر في كلام العرب أكثر من أن يحصى إلاّ انه يحيط به أصول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت