الثاني انه يلزم ان يكون اصبعاه في اجوافنا مع انه تعالى على العرش عند المجسمة وذلك ايضا محال
الثالث انه يقتضي ان لا يصح منه التصرف الا بالأصابع وهو عجز وحاجة وذلك على الله تعالى محال والتأويل الصحيح فيه ان الشيء الذي يأخذه الإنسان بأصابعه يكون مقدور قدرته ومحل تصرفه على وجه السهولة من غير ممانعة أصلا فلما كانت الأصابع سببا لهذه المكنة والقدرة جعل لفظ الأصبع كناية عن تلك القدرة الكاملة
اذا عرفت هذه المقدمة فنقول اما الحديث الأول ففيه سر لطيف وذلك لأن المتصرف في البدن هو القلب والقلب لا ينفك عن الفعل وعن الترك والفعل موقوف على حصول الدواعي الى الفعل والترك موقوف على حصول ضد تلك الدواعي ولا خروج عن هاتين الحالتين لأن الخروج عن طرفي النقيض محال ثم ان حصول الداعي الى الفعل من الله تعالى ولا حصول له من العبد وإلا افتقر العبد في تحصيل ذلك الداعي الى داع آخر فلزم التسلسل وهو محال فثبت ان القلب واقع بين هاتين الحالتين فان حصل فيه ما يدعوه الى الفعل عزم على الفعل وان لم يحصل فيه ذلك بقي على الترك فحصول هاتين الحالتين في قلوب المؤمنين للفعل والترك كالأصبعين المؤثرين في تقليب الأشياء وتقليب القلب بسبب هاتين الداعيتين يشبه تقليب الشيء المأخوذ بالأصبعين من حال إلى حال فكما أن الإنسان يتصرف في الشيء المأخوذ بأصبعه بتلك الأصابع فالحق سبحانه يتصرف في قلوب عباده بواسطة خلق تلك الدواعي وهذا هو السر الأعظم والقانون الأشرف في مسألة القضاء والقدر وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه اللفظة الوجيزة عن هذا السر اللطيف ومما يدل على أن المراد ما ذكرناه ما رويناه في الخبر انه صلى الله عليه وسلم كان كثيرا يقول ( ثبت قلبي على دينك ) واما الخبر الذي رواه عبد الله عن اليهود فالكلام فيه من وجهين