إلا أن ادعاءهم للخلافة فيه اعتراف بأن المنصب المرموق باق يحمل المعانى المنوطة به. وعلى الذين يبتغون الإصلاح أن يزيلوهم عنه ليجيئوا بأفضل منهم. أما الحكم عليه وعليهم بالإعدام فذلك ما لا مساغ له .. لكن القائد التركى"مصطفى كمال"قرر طرد الخليفة"السلطان عبد المجيد"لا لأنه حط من قدر منصبه، بل لأن السيد"مصطفى"كان متفقا مع دول أوروبا على إزالة الخلافة نفسها من تركيا. والقائد التركى عندما ألغى الخلافة لم يقصد فقط إلى فصم الروابط التى تصل تركيا بالعالم الإسلامى، بل كان - إلى جانب ذلك - يريد فصل الإسلام نفسه عن جهاز الدولة كلها، وإقامة حكومة لا دين لها. أى أنه - بضربة واحدة - حقق أمانى"أوروبا"التى تسعى لها من بضعة قرون. لقد قال لإنجلترا وفرنسا وسائر الحلفاء: دعونى أصنع بيدى ما تصبو إليه أنفسكم .. فتركوه .. وانطلقت الدعايات بعد ذلك تردد أن تركيا انتصرت، وأن الحلفاء الصليبيين انهزموا ... !!! (ب) وإزالة الخلافة وإقصاء الإسلام عن الدولة لم يتما بجرة قلم. فإن جمهور الأتراك يحترم دينه ويخضع لسلطته عن طواعية. وقد ضحى هذا الشعب المؤمن كثيرا طوال خمسة قرون في سبيل العقيدة التى ارتضاها. غير أن تضحياته الجمة ضيعها فساد الحكام وسفه"آل عثمان"وعوج السياسة التى رسموها لأنفسهم وللأمة الإسلامية معهم .. وقد ركب"مصطفى كمال"الصعب والذلول لتنفيذ مأربه، واقترف صنوفا من الغش والاحتيال والظلم والقتل لحمل الأمة على قبول فكرته، وسخر جهازا من الأجراء والمنتفعين لتلويث سمعة خصومه وتلفيق التهم ضدهم. ولن يعرف مقدار ما صنع"الكماليون"لتثبيت نظامهم الجديد إلا إذا انقضى هذا الحكم، وانكشفت الصحائف التى يطويها الآن عامدا. وحسبنا أن نلقى نظرة عجلى على الطريقة التى ولدت فيها جرثومة هذا النظام الخبيث لنتبين أسلوبه في السير والإقناع.
عندما اقترح"مصطفى كمال"فصل الدين عن الدولة، وتقدم بمقترحه هذا إلى مجلس النواب رأى أغلب الأعضاء أن يناقشوا الفكرة، وأن يتعرفوا حقيقتها، وأن يزنوا نتائجها بضمائرهم وأفكارهم ... ص _109