القلب البشرى مجرد آلة مولدة للطاقة وليست تلك الطاقة من الخير والفضيلة التى تشعر فيما حولها وتسجد لها الأفهام. في غسق مدينة ذات قيم وفجر مدنية تقوم على رقائق الفولاذ، وعلى ضجيج المادة وهى تسحق ما حفل به تاريخ البشرية من أرق المعانى يعيش شباب العالم اليوم. وهذا كله حق. إن في العالم جفافا روحيا يحرق حضارته ويجعل شياطين الذهول والفجور هى التى تجوب رحابه شرقا وغربا. فما علاج ذلك النكر؟ هل علاجه أن تظل الصليبية حاقدة على الإسلام، منكرة عليه حق الحياة والدعاية والانطلاق. إن الإسلام في إبان قوته الأولى تركها تعمل إلى جانبه وتعرض ما لديها إلى جوار ما لدى الإسلام من عقائد ومبادئ. وكان هذا كسبا للعالم، وتهيئة لبذور الإيمان وأسباب الخصب وأنواع الازدهار. وماذا على المسيحية لو تركت الإسلام يدعو إلى الله، ويغرى بالعمل الصالح، وينذر بالدار الآخرة على النحو الذى جاء به؟ من يدرى؟ ربما استراح إليه من ينقبض عنها فتكسب الحياة مؤمنا بدل أن يتحول هذا المخلوق إلى ملحد بالدين كله. من يدرى؟ ربما كانت لدى الإسلام أدوية شتى تشفى تطلع النفوس إلى الشهوات الحرام، وحصانات تمنعها من التردى في مهاوى الأثرة والظلم والعدوان. فلماذا يطوى ذلك كله تحت ضغط الاستعمار الجائر، وينكمش أمام حقد العدوان المسلح؟ ولنفرض الإسلام دينا فارغا من هذه الطاقة التى يدعيها لنفسه. فما المانع من تركه يواجه عواقب دعواه التى لا أصل لها - كما يرى خصومه؟ وما هذا التألب على مخاصمته وإحراجه؟ إن العالم لن يعرف السلام ما بقيت تحكمه نوازع البغى والحسد. ص _130