وتاريخ"الأزهر"حافل بمواقف شتى على تراخى العهود واختلاف الدول التى تتابعت طوال عشرة قرون. وإن كنا نذكر - تبيانا للحقيقة - أن مناصب الأزهر الكبرى قد ظفر بها أحيانا بعض من فرطوا في أمانة التوجيه وحسن الدعوة إلى الله. وقد حكى الجبرتى في تاريخه قصصا شتى لهؤلاء وهؤلاء. ولا شك أن الحكم الصالح كان يعنيه اختيار أولى الكفاية والخلق ليضع في أيديهم مقاليد الأزهر وينتظر منهم تربية الجماهير، وإعزاز الإسلام، وغرس فضائله في النفوس. ومن الصفحات النقية لعلماء"الأزهر"انحيازهم إلى جانب الأمة كلما رأوا ظلما يحيق بها من الداخل أو يهبط عليها من الخارج. ومن هنا كانوا موئل الشعب أيام المماليك، ثم عندما وقعت مصر فريسة الاحتلال الفرنسى. ومما يجدر التنويه به أن علماء الأزهر آزروا بطريرك الأقباط"بطرس السادس"فى نزاع نشب بينه وبين كبير الأمراء المماليك"ابن إيواظ"على الأحوال الشخصية لأقباط مصر. فقد كان هذا البطريرك صلبا في دينه، متشددا في تطبيق شريعته، متحمسا في أخذ رعيته بها مما جعل البعض يضيق به. وعرض الحاكم أمره على علماء الأزهر. فإذا العلماء يقرون البطريرك على مسلكه ويؤيدونه في سيرته. مما جعل كبير الأمراء يتراجع عنه ويدعه وشأنه. وهذه قصة تكشف عن طبيعة السماحة في الإسلام، كما تكشف في الوقت نفسه عن مدى المكانة التى كانت مقررة للعلماء! وقد ظل الأزهر أمينا على التراث الإسلامى كما ظل صلة وثيقة بين مصر وآفاق العالم الإسلامى المترامى الأطراف. بيد أن اتساع المعارف الإنسانية في هذا العصر، وانتظار المدارس والجامعات التى تقوم عليها، وانتظام الألوف المؤلفة في سلكها يجعل من حق الأزهر على مصر أن تدعم مكانته ورسالته وهى - في الحقيقة - إنما تدعم مكانتها ورسالتها هى. لقد شاءت الأقدار لمصر أن تحتل مكان الصدارة في عالم العروبة والإسلام، وأن تكون قطب الرحى فيما تستلزمه هذه المكانة من جهاد ثقافى وعسكرى ..