فهرس الكتاب
إن الغربيين أهل كدح ولغوب وراء معايشهم، وقد قدموا من التضحيات في خمسين سنة مالا يعرف لغيرهم من أهل الأرض.!! ولأضرب مثلا بفرنسا، التى كنا نهتف ضدها في المظاهرات فنقول: فرنسا العاهرة ... هذه الأمة الفرنسية دخلت حربين كبيرتين خسرت فيهما مالا يحصى من العتاد والرجال. ومنذ انتهت الحرب العالمية الثانية، وهذه الأمة تشتبك في حروب متصلة من الهند الصينية إلى الجزائر. وميزانيتها مرهقة بنفقات هذه الحروب، وشبابها يحملون السلاح ويردون الغمرات. ومع أن هذه الحروب أشعلتها المطامع واستدامها البغى والعدوان، فإن الأمة الظالمة تئن من سيل الدم المسفوك والمال المراق. والأمم التى تألف المصائب على هذا النحو ربما استباحت من المباهج والمرفهات ما يخفف عنها شيئا من ألم الكفاح الدائم ... وأنا أتصور الأحوال النفسية التى ينشد فيها الأشقياء والمعنون بعض ما يكسر سورة التعب حولهم. وقد يطلب المقاتل من هؤلاء - وهو ذاهب إلى الموت - أن يستمتع بالنساء قدر ما يستطيع. بل إننا نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول: إن العمال والموظفين في أيام السلم يشتغلون ساعات أكثر مما يشتغله أمثالهم هنا في الشرق. ورغبتهم في الاستجمام والترفيه بعد هذه المتاعب قد تفهم، وإن ضلوا إليها سبل الحلال ... لكن الذى ما فهمته قط، ولا أفهمه أبدا، أن يجيء شعب متراخ موفور الدم خفيف المناكب، فيطلب من الملذات مثل أو أكثر مما يطلبه العانون المرهقون ... إن العربى في بطحاء مكة يريد أن يوفر لنفسه من ألوان النعيم وصنوف المشتهيات مالا نظير له فى"نيويورك"، وما لم يطلبه لأنفسهم الرجال الذين فجروا الذرة!! سبحان الله قاعد حافى القدمين صفر العقل، لا همة له من الدنيا إلا أن يستجلب من اللذاذات، ويقتنى من العمارات ما لم يحلم به العباقرة الذين نهكتهم الأفكار والأشغال؟! ص _207