وقد رأيت مقالة لبعض المستغلين بالحديث ورجاله يذكر فيها نبذًا من حال علوم الحديث بعد حفاظ المتأخرين الشاميين والمصريين لا المقتصرين على مجرد صناعة التي هي بضاعة الإجازتية والفهارسية وهي أقرب في كثير من الوجوه إلى التاريخ بل الأخبار منها إلى روح علم الحديث النبوي الذي كان عليه أئمته المدونوه والمورثوه لمن بعدهم.
وهذا ليس استخفافًا بأحد ولكن محاولة لوضع كل شيء في نصابه فصناعة الفهارس والأثبات بالصورة المعروفة عند المتأخرين شيء وما كان عليه الحفاظ والمحدثون حتى المتأخرون منهم شيء آخر، والعجيب أن المفارقة حتى في صناعة الرواية نفسها، فنفس المحدث فيها غير نفس الإخباري والمؤرخ والأديب، وإن كان الجميع قد يستعملون الرواية وربما يسندون لإطباق الفضلاء أن الأسانيد زينة جميلة وحلية بديعة يرغب فيها الذواقون ولها وقع في النفوس.
ودونكم كتاب الأغاني لأبي الفرج في الأدب، وكتب الأخباريين وتواريخهم، وهؤلاء متشبهون بأهل الحديث، الذين هم أصحاب الأسانيد حقًا وفرسان ميدانها، والمعطوها حقها عدلًا وقسطًا، ويعلمون أن الغاية منها أمر وراء التزين والتحلي وقوة الوقع عند الناس، وهو إثبات المروي وحفظه
والغالب على صنعة الرواية بعد تدوين الحديث النبوي كله هو حفظ هذه الدواوين والتذرع بالأسانيد إلى ذلك، واستدراج أهل الهمم بلطائفها إلى ما وراء ذلك من حفظها، فمن وقف عندها كان كمن صعد السلم ثم وقف في وسطه، وإنما المراد من السلم التوصل به إلى ما فوقه، أولسنا ننقل عن أسلافنا أن الأسانيد كالسلالم وأن من لا إسناد معه كيف يرقى السطح؟.
وهذا سؤال مهم يوجه للمغالين في احتقار صناعة الإسناد بالجملة والحط الملطق عليها وعلى أهلها.
ولا بد أيضًا أن يضم إليه سؤال آخر يوجه إلى المغالين في ظواهر الطرائف الإسنادية الواقفين عندها غير شاعرين أنها سلم لما فوقها فيقال لهم: ما دمتم تحتجون على أولئك المستخفين بكم بأن ما أنتم فيه سلم للمقصود المتفق عليه وهو"حفظ السنة"فما بالكم كلما طلبتم وجدتم على السلم قد لزم كل صنف منكم درجًا منه لا يجاوزها إلا إلى درجة أخرى ويبقى يتفرج على السلم ويفاخر أهل كل درجة من يليه بما وجده في درجته واشتغلتم ببنيات الطريق عن المقصد الذي سوغتم لأنفسكم بسببه تجشم صعود هذا السلم وإنفاق جهدكم الغالي ووقتكم الذي لا يعود فائته فيه، واعلموا أنكم أنتم المستفيدون أولًا من مواصلة الرقي على السلم وبلوغ أعلاه والمقصد الذي فوقه.
وأن شهوات النفوس لا تنتهي، والمفاخرة والمباهاة لا حد لها ما دامت الدنيا إذ ليست الدنيا إلا ذلك.
قال ربنا سبحانه الذي هو كما أخبر عن نفسه بعباده رؤوف رحيم، وأنه أرحم الراحمين:
"إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد .."
كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا، ... وفي الآخرة! ..
... عذاب شديد! ومغفرة من الله ورضوان ..
وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ..
.سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"."
والسلام عليكم معشر الإخوان ورحمة الله وبركاته.
هذه المقالة قد عدلتها عقب كتابتها وإرسالها أول مرة ولم يقبل الجهاز إرسال التعديل وأشار بمراسلة المدير العام ففعلت فإن أمكن إثبات الكتابة المعدلة فأهو أتم للفائدة، وإلا فالمراد إجمالًا قد تبين ومن وجد عيبًا فليسد الخللا، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة.
ـ [حمزة الكتاني] ــــــــ [08 - 03 - 06, 04:35 م] ـ
ذكرت مسلسلا بالحفاظ منا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثبت الذي كنت جمعته باسم العلامة الفقيه زين ابن سميط حفظه الله تعالى المسمى:"النسج والخيط لبعض أسانيد العلامة ابن سميط"، وكذلك به مسلسلات نفيسة أخرى، فليراجع على هذا الرابط: