فمن الموانع التدّين والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة وقد قال سبحانه [إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله] وفي (الصحيح) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم"علامة المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف"وإخلاف الوعد أغلب مايكون إذا كان الوعد كذبًا"والخيانة تعتمد الكذب كما لا يخفى."
وقال أبو بكر الصديق"الكذب مجانب للإيمان"فأما توّهم حل الكذب في مصلحة الدين فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدهم غفلة لأن حظر الكذب مطلقًا هو من أظهر الأحكام الشرعية. وأولئك الكتاب لا يعرفون هذا المانع لأنهم لا يجدونه في أنفسهم ولا يجدون فيمن يخالطونه من تقهرهم سيرته على اعتقاد اتصافه بهذا المانع لضعف الإيمان في غالب الناس ورقة التدين. ولايعرفون من أحوال سلف المسلمين مايقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع لأنهم إنما يطالعون التواريخ وكتب الأدب كـ (الأغاني) ونحوها وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة كان فجرة الأخباريين يضعون تلك الحكايات لأغراض منها دفع الملامة عن أنفسهم ـ يقولون ليس هذا العيب خاصًا بنا بل كان من قبلنا كذلك حتى المشهورون بالفل. ومنها ترويج الفجور والدعاية إليه ليكثر أهله فيجد الداعي مساعدين عليه ويقوى عذره. ومنها ترغيب الأمراء والأغنياء في الفجور وتشجيعهم عليه ليجد الدعاة المتأدبون مراعي خصبة يتمتعون فيها بلذاتهم وشهواتهم. ومنها التقرب إلى الأمراء والأغنياء بالحكايات الفاجرة التي يلذ لهم سماعها إلى غير ذلك. ومايوجد في تلك الكتب من الصدق إنما يصوِر طائفة مخصوصة كالأمراء المترفين والشعراء والأدباء ونحوهم.
ولو عكف أولئك الكتاب على كتب السنة ورجالها وأخبارهم لعلموا أن هذه الطائفة وهي طائفة أصحاب الحديث كان ذلك المانع غالبًا فيهم. وقد احتج بعضهم بما في (الأغاني) في أخبار عمر بن أبي ربيعة من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت (وهو عبد العزيز بن عمران) عن محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام ..."ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث وفكر في أحوالهم وفي حال القصة لعلم بطلان القصة حتمًا."
ومن الموانع خوف الضرر الدنيوي، وأولئك الكتاب يعرفون شرط هذا المانع وهو الضرر المادي فانهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنبون الخيانة والكذب في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم فيعدلوا إلى معاملة غيرهم. بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالبًا وإلا لكانت الخصومات مستمرة في الأسواق بل لعهلها تتعطل الأسواق فليتدبر القارئ ذلك. فأما المعنوي فان أولئك الكتاب لا يقدرون قدره فأقول: كان العرب يحبون الشرف ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل، وفي أوائل (صحيح البخاري) في قصة أبي سفيان بن حرب أن هرقل لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا بمن كان بالشام من تجار قريش فأتى بأبي سفيان ورهط معه قال:"ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسبًا، قال أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه. قال: فو الله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عليه .."قال ابن حجر في (فتح الباري) :"وفي قوله يأثروا دون قوله يكذبوا دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب ان لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابًا وفي رواية ابن اسحاق التصريح بذلك"أقول وهذا هو الذي أراده هرقل. ثم جاء الاسلام فشده في تقبيح الكذب جدًا حتى قال الله عز وجل [إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله] وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلًا كذب عليه فبعث عليًا والزبير فقال:"اذهبا فان أدركتماه فاقتلاه".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)