الثامن: ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك، فابن حبان قدي ذكر في (الثقات) من يجد البخاري سماه في (تاريخه) من القدماء وإن لم يعرف ماروى وعمن روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته مااستنكره وإن كان الرجل معروفًا مكنزًا والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأن يكون له فيما يروى متابع أو مشاهد، وإن لم يروا عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد، فمن وثقه ابن معين من هذا الضرب الأسقع بن الأسلع والحكم بن عبد الله البَلَوي ووهب بن جابر الخَيواني وآخرون، وممن وثقه النسائي رافع بن إسحاق وزهير بن الأقمر وسعد بن سمرة وآخرون، وقد روى العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية فوثقهما ابن معين، وروى همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يعرف قدامة إلا في هذه الرواية فوثقه ابن معين مع أن الحديث غريب وله علل أخرى راجع (سنن البيهقي) 3ج ص248.
ومن الأمة من لا يوثق من تقدمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سير حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم مايوجب القدح، نص على ذلك في (الثقات) وذكره ابن حجر في (لسان الميزان) ج1 ص14 واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغه مايوجب طعنًا في دينه وثقه، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره. وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغداد شيخ فسمع منه مجلسًا فرأت تلك الأحاديث مستقيمة ثم سئل عن الشيخ؟ وثقه، وقد يتفق أن يكون الشيخ دجالًا استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك، ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابن معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال:"ماكان به بأس"فحكى له عنه أحاديث تستنكر، فقال ابن معين:"فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيمًا"وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي:"ثقة وقد كتبت عنه"وقد كذبه أحمد وقال:"أحاديثه موضوعة"وقال أبو داود:"غير ثقة ولامأمون، أحاديثه موضوعة".
وهكذا يقع في التضعيف ربما يجرح أحدهم الراوي لحديث واحد استنكره وقد يكون له عذر.
ورد ابن معين مصر، فدخل على عبد الله بن الحكم فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان، وعد جماعة روى عنهم قصة، فقال ابن معين:"حدثك بعض هؤلاء بجميعه وبعضهم ببعضه؟"فقال: لا حدثني جميعهم بجميعه، فراجعه فأصر، فقام يحيى وقال للناس:"يكذب".
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أن كلًا منهم حدثه ببعض القصة فجمع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز ليست بحديث فظن يحيى أن مراده أن كلًا منهم حدثه بالقصة بتمامها على وجهها فكذبه في ذلك، وقد أساء الساجي إذا اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله:"كذبه ابن معين".
وبلغ ابن معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى فقال:"من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟!"وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا فقام فقال:"هو ذا أنا"فتبسم يحيى وقال:"أما إنّك لست بكذاب .."وقال ابن عمار في إبراهيم بن طهمان"ضعيف مضطرب الحديث".
فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة فقال:"ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ أنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة .. والغلط فيه من غير إبراهيم".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)