وإذا طويتَ صفحاتٍ من التاريخ، وقرونًا من الزمن، فقف قليلًا عند فترة تنزل الوحي، التي كشفت وجود هذه المشكلة (عقدة العمل الغائب) عند أكثر من فئة، والذي يعنينا في هذا المقام الحديث عن طائفةٍ من المؤمنين، وممن سار في أكنافهم، وليس منهم من المنافقين، بدأت تتكرر هذه الإشكالية، وأخذت في الظهور في وقت مبكر، فاستعلت بعض الأصوات تطالب بالجهاد في سبيل الله في وقت لم تكن الحكمة الإلهية تقتضي فرض الجهاد؛ بل إنهم نُهوا عن ذلك، كما نقرأ ذلك بكل جلاء ووضوح في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء:77] .
يقول العلامة السعدي على هذه الآية:"وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين، واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها، ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر"انتهى.
لقد أثبتت الوقائع المتنوعة على مدار التاريخ، أن أشد الناس حماسة واندفاعًا، قد يكونون هم أشد الناس جزعًا وانهيارًا وهزيمة عندما يجد الجد، وتقع الواقعة؛ لأن سبب ذلك الاندفاع ليس هو الشجاعة والاحتمال والإصرار، بل هو ـ غالبًا ـ ما يكون بسبب قلة الاحتمال للحالة الراهنة، فيدفعهم ذلك إلى طلب التخلص من الحالة التي يعيشونها بأي شكل، دون نظر في العواقب، بل ربما لو تحقق لهم ما أرادوه وطلبوه فسيكون وقعه ثقيلًا عليهم.
وليت الأمر عند هؤلاء يقف عند هذا الحد! بل إنه يتجاوز ذلك لاتهام أولئك الذين يخبرون الأمور ويدركون حقيقتها، ويأمرون بالصبر والتروي، واستغلال الفرص المتاحة ـ ربما وصفوهم ـ بالضعف والخور، وربما وصفوا تأنيهم وتمهلهم جبنًا واستخذاء!.
إن الآيات الكريمة من سورة النساء تتحدث عن فئة مؤمنة ـ فيما يظهر ـ وهو قول جماعة من المفسرين، وقيل: عن طائفة من المنافقين،و على كلا القولين، فالاعتبار حاصل.
إنها فئةٌ يظهر من فحوى خطابها العزة والأنفة، وعدم احتمال الذل والضيم، ولكنها فئة لم تصهرها التجارب بعد، ولم تتضح لديها الصورة بشكل جلي، وإن ظنوا ذلك وحسبوه في قرارة نفوسهم، وما تتلجلج به صدورهم من حرارة مشاعرهم.
إنها فئة ربما كان يجول في أذهانها مسألة الدفاع عن الذوات والأشخاص ـ وعلى رأس هؤلاء الأشخاص الذين تتقرب إلى الله تعالى بالدفاع عنهم: محمد -صلى الله عليه وسلم- ـ، ولربما غاب عن ذهنها أو لم يكن في حسبانها أن القضية أكبر من ذلك، فالغاية ـ عند الله ـ أن يكون الدين كله لله، وأن يتم بسط نفوذ هذا الدين ولكن بشكل ممرحل ومتدرج، (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) [الإسراء:106] ، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: من الآية64] .
إننا لنقطع بأن هؤلاء الذين طلبوا الجهاد، لم يكونوا أشد غيرة على دين الله،ولا على عباده المضطهدين ـ بسبب اعتناقهم له ـ من محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا من أبي بكر وعمر وغيرهم من كبار وفضلاء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولكن القضية أكبر من أن تختصر في رأي لم ينضج بعد، أو اقتراح ـ على فرض صحته تمامًا ـ لا يناسب تنفيذه في ذلك الوقت.
ومن هنا جاء الخطاب الرباني في الفترة المكية للمؤمنين إذ ذاك لتربيتهم على هذا المعنى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:108] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)