وقال الحنفية: لا يجوز له الفطر ابتداء ولكن لو أفطر، فلا كفارة عليه لأن السبب المبيح- من حديث الصورة- وهو السفر قائم فأورث شبهة، وبها تندفع الكفارة.
وقد أجابوا عن فطره صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي كان صائمًا فيه والذي أشرنا إليه في حديث ابن عباس السابق، بأن الجائز أن يكون صلى الله عليه وسلم علم من نفسه بلغ الجهد الشديد من الصيام في هذا اليوم، إلى الحد الذي إذا وصل إليه الصائم المقيم أبيح له الفطر [38] .
وهذا تأويل بعيد لأن بعض الروايات تفيد أنه صلى الله عليه وسلم طلب من أصحابه الفطر على أن يستمر هو صائمًا وقال:"إني أيسركم إني راكب، فلما أبوا نزل وشرب ما كان يريد أن يشرب". وقد تقدم هذا الحديث بكامله، وهو واضح في رده على تأويل علماء الحنفية لمدلول حديث ابن عباس.
أما المالكية: فقد حكى الزرقاني، وجوب الكفارة على من نوى الصيام في يوم سفره، ثم أفطر بعد ذلك في نفس اليوم.
وحكى ابن يونس في المسألة قولان، أحدهما بوجوب الكفارة، والآخر بوجوب القضاء فقط.
ووجه من أوجب الكفارة، أن المسافر كان مخيرًا في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وترك الرخصة، صار من أهل الصيام، وعلى ذلك فيجب عليه ما يجب على أهل الصيام من الكفارة [39] .
وقد استدل الحنفية والمالكية، بقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (سورة محمد الآية رقم 33) فالمسلم الذي اختار أن يعمل عملًا من أعمال العبادة وابتدأه بالفعل، فيجب عليه أن يتمه.
لكنه قد نقل عن ابن عبد البر قوله: من احتج في هذا بقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك: النهي عن الرياء، كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله وإن كان هذا القول من ابن عبد البر رحمه الله ليس بلازم، إذ عموم اللفظ يتناول إبطال العمل بالرياء، كما يتناول إبطاله بنية إلغائه ونقضه، والعبرة بعموم الألفاظ في النصوص التشريعية إلا لقرينة تفيد التخصيص.
والمختار من هذه الآراء، هو رأي من يقول بجواز الفطر لمن كان عزم على الصيام من طلع الفجر سواء كان ذلك بعذر أم لا وذلك لأن الاستدلال بقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} فهو وإن صلح باعتبار عموم اللفظ إلا أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما يعتبر نصًا خاصًا واردًا في الموضع فيرفع النزاع ويكون مخصصًا للعموم المستفاد من الآية إن قلنا بشموله لمسألة البحث. والله أعلم.
احترز من عدوين هلك بهما أكثر الناس:
صاد عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله
ومفتون بدنياه ورئاسته [40]
>>>> يتبع >>>>>
الهوامش
[1] المجموع ج6 ص20، شرح عبد الباقي على مختصر خليل ج2 ص213، دار الفكر والأم للشافعي ج2 ص87، دار الشعب بالقاهرة.
[2] المجموع ج6 ص214.
[3] نيل الأوطار ج4 ص255، فتح القدير ج2 ص365، الأم ج2 ص87، المجموع ج6 ص265، المغني ج3 ص117 مطبعة الفجالة، الموطأ ج2 ص171 من شرح الزرقاني على خليل ج2 ص213، المحلى ج6 ص392.
[4] المصنف ج4 ص270.
[5] المغني ج3 ص270.
[6] المغني ج3 ص117.
[7] بضم الراء وكسر الفاء بالبناء للمجهول أي رفع أبو بصرة ومن معه في السفينة.
[8] هو جعفر بن مسافر أحد رواة الحديث.
[9] سنن أبي داود مطبوعة مع شرحها عون المعبود ج7 ص53.
[10] نيل الأوطار ج4 ص256.
[11] عون المعبود ج7 ص55.
[12] السنن الكبرى ج4 ص247، وسنن الترمذي ج3 ص512 - 513، مطبوع مع تحفة الأحوذي.
[13] نيل الأوطار ج4 ص256، وتحفة الأحوذي ج3 ص513.
[14] السنن الكبرى ج4 ص247.
[15] المجموع ج6 ص217، فتح القدير ج2 ص365، شرح الزرقاني على خليل ج2 ص212.
[16] المغني ج3 ص118، وقوله"في نظر"أي اجتهاد أو قياس،"ولا أثر"يعني دليل قولي أو فعلي مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه.
[17] نيل الأوطار ج4 ص256.
[18] المغني ج3 ص117.
[19] صحيح مسلم ج2 ص144.
[20] المحلى ج6 ص391.
[21] شرح الزرقاني على خليل ج2 ص213.
[22] صحيح مسلم ج2 ص108.
[23] السنن الكبرى ج3 ص148.
[24] السنن الكبرى ج3 ص148.
[25] السنن الكبرى ج3 ص148، بداية المجتهد ج1 ص123، تحفة الأحوذي ج3 ص113 - 114 ..
[26] النسائي ج3 ص121، إحياء التراث.
[27] تحفة الأحوذي ج3 ص113.
[28] سنن الترمذي مطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي ج3 ص115.
[29] سنن أبي داود ج4 ص96 - 97 - 98 - 99.
[30] منتقى الأخبار جـ 4 ص 257 مع نيل الأوطار.
[31] منتقى الأخبار المطبوع مع شرحه نيل الأوطار جـ 4 ص 257.
[32] نيل الأوطار جـ 4 ص 257.
[33] سنن الترمذي المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي جـ 3 ص 114.
[34] السنن الكبرى جـ3 ص 152.
[35] السنن الكبرىجـ3 ص 152.
[36] السنن الكبرى جـ3 ص152، السرغ بوادي تبوك.
[37] المغني ص 118، والمجموع جـ 6 ص 214.
[38] فتح القدير للكمال جـ2 ص 365، ص 366.
[39] شرح عبد الباقي الزرقاني جـ 2 ص 214.
[40] نيل الأوطار 4 ص 290.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)