الألفاظ القلتين، لفظ القلتين هو الراجح فانتفى اضطرابه، ولذا صححه جمع غفير من أهل العلم، ومن يقول بالتفريق بين القليل والكثير لا إشكال عنده، وعرفنا أنه عمدة الشافعية والحنابلة في جعل القلتين الحد الفاصل.
شيخ الإسلام يصحح الحديث، ولا يفرق بين القليل والكثير على ما مضى، سبقت الإشارة إلى قوله -رحمه الله- وأن قوله قول مالك، كيف يصنع بحديث القلتين بعد أن صححه؟!
يعمل بمنطوق الحديث ولا يعمل بمفهومه بل يلغي مفهومه لمعارضة هذا المفهوم منطوق حديث أبي سعيد؛ لأنه إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق، منطوق حديث أبي سعيد: (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) )معارض بمفهوم حديث (( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ) )فهذا المفهوم معارض بمنطوق حديث أبي سعيد، وشيخ الإسلام يميل إلى أن المفهوم ملغى، وحينئذ لا تعارض، ولا شك أن المفهوم معتبر، كما هو الأصل، لكن شريطة ألا يعارض هذا المفهوم بمنطوق، فالمفاهيم معتبرة، سواءً كانت مفاهيم أعداد أو غيرها، ففي مثل قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ} [ (80) سورة التوبة] ، مفهومه أنه لو استغفر لهم واحد وسبعين أو خمسة وسبعين أو مائة أو ألف أنه يغفر لهم، لكن العدد لا مفهوم له، لماذا؟ لأنه معارض بمثل قوله تعالى عن المنافقين أنهم {فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [ (145) سورة النساء] ، هذا حكم جازم قاطع؛ لأنهم لا يغفر لهم، وأن كفرهم كفرًا أكبر مخرج عن الملة، كما ذكره أهل العلم في أنواع الكفر الأربعة المخرجة عن الملة.
فألغي المفهوم لمعارضة للمنطوق، وإلا فالأصل أن الكلام معتبر منطوقه ومفهومه.
الذي يضعف الحديث ولا يقول بالتفريق لا إشكال عنده، لكن الإشكال فيمن يصحح الحديث كشيخ الإسلام ولا يقول بالتفريق، فالذي يصححه ويقول بالفرق بين القليل والكثير لا إشكال عنده، والذي يضعفه أيضًا ولا يقول بالتفريق لا إشكال عنده، المشكل في مثل قول شيخ الإسلام وقد خرج -رحمة الله عليه- من هذا الإشكال بإلغاء المفهوم نعم.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ) [أخرجه مسلم] ، وللبخاري: (( لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري, ثم يغتسل فيه ) )، ولمسلم: (( منه ) )، ولأبي داود: (( ولا يغتسل فيه من الجنابة ) ).
حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ) [أخرجه مسلم] ، وللبخاري: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري, ثم يغتسل فيه ) )، ولمسلم: (( يغتسل منه ) )، ولأبي داود: (( ولا يغتسل فيه من الجنابة ) ).
(( لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم ) ): أي الراكد الساكن، وإن كان لفظ الدائم من الأضداد، لأنه يطلق الدائم على الساكن، ويطلق على المتحرك الدائر، جاء في كتب الأضداد: في رأسه دوام أي: دوران وحركة، اضطراب.
(( وهو جنب ) ): هذه الجملة حالية، حال كونه جنب.
(( لا يغتسل أحدكم ) ): ففي الحديث النهي والأصل في النهي التحريم، (( في الماء الدائم ) )حال كونه جنبًا.
ويستدل به من يرى أن الماء يتأثر إذا رفع به الحدث، وهو مقتضى قول من يفرق ويقسم المياه إلى ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس، طهور، وطاهر، ونجس، يقول: هذا الماء الذي رفع به الحدث انتقل من كونه طهورًا مطهرًا إلى كونه طاهرًا فقط، ليس بنجس، لكنه لا يرفع الحدث.
وعند الحنفية في قول لهم أنه ينجس، فالماء الذي يغتسل فيه الجنب نجس، والصحيح أنه طاهر مطهر، وأن استعماله لا يؤثر فيه، والنهي عن الاغتسال فيه؛ لئلا يقذره على غيره، لئلا يصرف الناس عن استعماله، لاغتساله فيه؛ لأن الناس إذا رأوا شخصًا انغمس في هذا الماء تركوه، وعلى هذا يفسده عليهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)