في قول الصحابي:"أمرنا"أو"نهينا"، الآمر والناهي هو من له الأمر والنهي وهو النبي -عليه الصلاة والسلام-، فهو مرفوع خلافًا لمن زعم أنه موقوف كأبي بكر الإسماعيلي، وأبي الحسن الكرخي، وجمع من أهل العلم قالوا: إنه لا يحكم له بالرفع حتى يصرح الصحابي بالآمر والناهي لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير النبي -عليه الصلاة والسلام-، كقول أم عطية:"أمرنا بإخراج العواتق والحيض"، وقولها:"نهينا عن اتباع الجنائز".
إذا صرح الصحابي بالآمر والناهي -كما هنا- لا إشكال في كونه مرفوعًا، بل هو مرفوع صراحة اتفاقًا، لكن إذا قال الصحابي: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تغتسل المرأة، هل هو في القوة بمثابة قوله -عليه الصلاة والسلام-: (( لا تغتسل المرأة بفضل الرجل ) )أو أقل؟ نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيهما أقوى؟
طالب: الثاني.
نعم؟
طالب: الثاني.
لكن هل نفهم أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- نهى، وإلا ما نفهم، إذا قال الصحابي نهى أو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
جمهور أهل العلم على أنه لا فرق بين أن يقول الصحابي: نهى -أن يذكر النهي الصريح من لفظه -عليه الصلاة والسلام-، أو يعبر عن هذا النهي كما هنا، لا فرق، خالف في هذا داود الظاهري وبعض المتكلمين قالوا: ليس بحجة أصلًا، حتى ينقل لنا اللفظ النبوي؛ لأن الصحابي قد يسمع كلام يظنه أمرًا أو نهيًا، وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهي، نقول: إذا كان الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يعرفون مدلولات الألفاظ الشرعية والنصوص من يعرفها؟
فالمرجح عند أهل العلم أن قول الصحابي:"نهى رسول الله، مثل قوله: لا تفعل."
نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تغتسل المرأة بفضل الرجل, أو الرجل بفضل المرأة, وليغترفا جميعًا" [أخرجه أبو داود] : الحديث صحيح، خلاصة القول فيه أنه صحيح، أعله بعضهم لكنه لم يستند على حجة يعتد بها، قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية."
"نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل": مقتضى الحديث أن خلوة الرجل بالماء مؤثرة، وأنه لا يجوز للمرأة أن تغتسل بفضل مائه، لكن هل للرجل أن يغتسل بفضل ماء الرجل؟ مفهوم الحديث؟ نعم.
الشق الثاني من الحديث:"نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة": لكن هل للمرأة أن تغتسل بفضل المرأة؟ مقتضى الحديث ومفهومه نعم.
إذا كان للرجل أن يغتسل بفضل الرجل، وللمرأة أن تغتسل بفضل المرأة، فهل لخلوة المرأة أو لخلوة الرجل أثر على الماء؟ نعم؟ لا أثر له، لا أثر له على الماء، وبهذا نعرف ضعف قول من يقول: إنه لا يرتفع حدث الرجل إذا توضأ بماء خلت به المرأة لطهارة كاملة، والحديث كما ترون جاء بمنع الرجل كما جاء بمنع المرأة من الوضوء بفضل الرجل.
والعجب أن بعض أهل العلم يعمل بالشق الثاني، ولا يعمل بالشق الأول، وإذا صح الخبر فنقول: إن النهي هنا للتنزيه؛ لما يعارضه من الأدلة التي صحت في وضوئه -عليه الصلاة والسلام- بفضل بعض أزواجه، على ما سيأتي، فالنهي هنا للتنزيه.
"وليغترفا جميعًا": نعم؟
طالب:
كيف؟
طالب:
الرجل (أل) الجنسية، الأصل فيها الجنس، هذا الأصل، أي امرأة لا تغتسل بفضل أي رجل، والعكس، هذا الأصل فيه الجنس.
لكن قوله: (( وليغترفا جميعًا ) ): نعم يدل على أن المراد بذلك الزوجين، وإلا فالأصل في الرجل أنه جنس.
أقول: من العجب أن يأتي الحديث بهذا السياق ويستدل به من يرى أن الرجل لا يجوز له أن يتوضأ بفضل المرأة، وأن خلوة المرأة لطهارة كاملة تؤثر في الماء، وأنه لا يرفع الحدث، ولا يقول بالعكس، مع أن الحديث سياقه واحد، فإن حمل النهي هنا على التحريم وأنه لتأثير خلوة أحدهما بالماء، فليقل بالشقين، أما أن يقول بالشق الثاني، ولا يقول بالشق الأول هذا تحكم، وعلى كل حال النهي هنا للتنزيه، النهي هنا للتنزيه.
في الحديث الذي يليه: عن ابن عباس أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يغتسل بفضل ميمونة -رضي الله عنها- [أخرجه مسلم] : أعله بعضهم بقول عمرو بن دينار في الصحيح -في صحيح مسلم-: وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، على كل حال له غير هذا الطريق، هو مروي من طرق في صحيح مسلم، وتخريج مسلم له يدل على صحته، تخريج الإمام مسلم .. ، فالعلة عليلة -التي أعلَّ بها-.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)