منشأه الاحتياط، والاحتياط كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:"إذا أدى إلى ارتكاب محظور -كما هنا- أو ترك مأمور فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط".
أحيانًا لا يمكن الاحتياط، لا يمكن الاحتياط بحال، إذا اختلف العلماء في مسألة على قولين: وجوب وتحريم، تحتاط وإلا ما تحتاط؟ ما يمكن تحتاط، لكن وجوب واستحباب، استحباب وإباحة ممكن تحتاط، وعلى هذا نقول: من زاد على أربع متعبدًا بذلك فقد خرج إلى حيز البدعة، فإذا شك هل غسل العضو مرتين أو ثلاثًا، فالأحوط أن يجعلها ثلاثًا؛ لأنه إن كان هو الواقع الثلاث هي الواقع ففعله هو السنة، وإن لم يكن الواقع، جعله ثلاثًا وهو في الحقيقة اثنتان رجع بذلك إلى سنة، لكن لو قلنا: يبني على الأقل ويزيد، هو بزيادته إن كان على خلاف الواقع خرج من حيز الابتداع إلى السنة، وعرفنا أن هذا يختلف اختلافًا جذريًا تامًا عما لو شك في صلاته هل صلى ركعتين أو ثلاث؟ نقول: يجعلهما ركعتين، وهذا سبقت الإشارة إليه، يجعلهما ركعتين، لماذا؟ لأن الأمر هنا متردد بين الزيادة المعفو عنها بالنسيان وبين بطلان الصلاة بالنقص، مسألة الصلاة، فإذا كان الأمر متردد بين بطلان الصلاة وأمر معفو عنه بالسهو والنسيان يحافظ على صلاته عن البطلان، بخلاف ما إذا كان الأمر متردد بين سنة وبدعة فإنه يحافظ على السنة ويجتنب البدعة، جاء التثليث بالإطلاق:"توضأ ثلاثًا ثلاثًا"وجاء التفصيل:"غسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ورجليه ثلاثًا، ومسح برأسه"فالإطلاق غسل ثلاثًا ثلاثًا يشمل الرأس، والتفصيل يخرج الرأس، وإن جاءت عند أبي داود أنه مسح رأسه ثلاثًا، لكن ما جاء في الصحيحين وغيرهما إما إجمالًا أو تفصيلًا لا يذكر فيه التثليث بالنسبة للرأس، ولذا القول المرجح عند أهل العلم أن الرأس يمسح مرة واحدة؛ لأن الروايات الواردة في التثليث لا تقاوم ما جاء في عدم الذكر، وهذا موضع بيان فلو كان تثليث الرأس مستحبًا كغيره لبين؛ لأن هذا وقت بيان، النبي -عليه الصلاة والسلام- يبين ما أجمل من القرآن، وبيان الواجب واجب كما هو معروف.
الترتيب: هنا جاء عطف الأعضاء بـ (ثم) التي تقتضي الترتيب، التي تقتضي الترتيب، والعطف في آية الوضوء بإيش؟ بالواو، التي هي لمطلق الجمع، ولذا يرى بعض أهل العلم: أن الترتيب ليس بواجب، والقول المرجح عند أهل التحقيق أن الترتيب واجب؛ لأن النصوص والأحاديث التي بينت آية الوضوء جاءت بيانًا لآية الوضوء، جاء العطف فيها بـ (ثم) إضافة إلى أن آية الوضوء فيها ما يشير إلى ذلك، ما يشير إلى الترتيب وهو إدخال الممسوح بين المغسولين، والعرب كما يقول أهل العلم: لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، لو لم يكن الترتيب واجبًا لنسق المغسولات على بعض ثم جاء بالممسوحات، لكن قطع النظير عن نظيره وإدخال الممسوح بين مغسولين يدل على إرادة الترتيب، نعم.
سم.
"وعن علي -رضي الله عنه- في صفة وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"ومسح برأسه واحدة"أخرجه أبو داود، وأخرجه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح، بل قال الترمذي: إنه أصح شيء في الباب".
تكمل الحديث الرابع وإلا نبدأ بهذا ثم ذاك؟
حديث علي -رضي الله عنه- في صفة وضوء النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو مخرج في السنن والمسند وغيرها من دواوين الإسلام في صفة وضوء النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:"ومسح برأسه واحدة"وهذا الحديث نص في موطن النزاع إلا أنه فعل، نعم؟ مسح برأسه واحدة فعل، والمسح مرة واحدة لا ينفي ما عداه؛ لأنه ثبت أنه غسل وجهه واحدة، وغسل يديه واحدة، وغسل رجليه واحدة، توضأ مرة مرة -عليه الصلاة والسلام-،"ومسح برأسه واحدة، أخرجه أبو داود، وأخرجه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح"وهو قطعة من حديث طويل استوفى فيه علي -رضي الله عنه- صفة وضوء النبي -عليه الصلاة والسلام-،"أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح، بل قال الترمذي: إنه أصح شيء في الباب"أصح شيء في الباب، أفعل التفضيل عند أهل الحديث لا تستعمل في بابها، لا يستعملونها على معناها الأصلي.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)