على كل حال سبق الإشارة إلى أن هذا مما تنبغي العناية به، وكونه نزل عن المد في الوضوء وزاد في الغسل عن الصاع يدلنا على أنه لا تحديد، قالوا: قدر المد خمسمائة وخمسين جرام، هل معنى هذا أن المتوضئ لا يزيد جرام ولا ينقص جرام؟ لا، ليس معنى هذا، إنما المطلوب من هذه النصوص الاقتصاد في الماء، وبعض الناس لا سيما في المواضئ العامة يجعلون الصنابير ذات أفواه ضيقة، لا شك أنها تساعد على الاقتصاد في الماء؛ لأنه إن فتحها بقوة تضرر بها، فهي تساعد، لكن لو جعل محبس عام شامل يمكن التحكم فيه، الذي يوزع على جميع هذه الصنابير فيجعل دفعه ضعيف، بحيث لو فتح الصنبور على أعلى ما يمكن فتحه عليه لا يتمكن بأكثر من القدر المطلوب كان أولى، لا يمكن التحكم في حنفية عامة مثلًا، أو قفل عام للجميع، لكن قد يقول قائل إن مثل هذا إذا فتحه الأول تأثر الأخير، يمكن ما يصل عند الأخير.
على كل حال ينبغي أن توجد الحلول المناسبة لهذا الإسراف الحاصل، وليس من الحل أن ترفع أسعار الماء، هذا ليس بحل؛ لأن بعض الناس قد يجتهد يقول: لماذا لا يرفع السعر لأجل الناس يهتمون بهذا الأمر ويحتاطون له؟ نقول: ليس بحل، هناك من يحتاط مع شدة فقره، فمثل هذا يتضرر، والله المستعان، لكن المسلم الذي يتدين باتباع النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يحتاج إلى أن يجبر، وأن يلزم بمعالجة هذا الأمر، سم.
"وعن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ) )أخرجه مسلم والترمذي، وزاد: (( اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين ) )".
"عن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ما منكم ) )"والخطاب وإن كان موجهًا إلى الصحابة -رضي الله عنهم- إلا أنه لهم ولغيرهم؛ لأن من يأتي بعدهم في حكمهم، فكل مسلم .. ، مع أن الاحتمال الآخر أن الخطاب للمسلمين، ما منكم أيها المسلمون فيدخل المتقدم والمتأخر.
(( ما منكم من أحد ) )و (ما) من صيغ العموم، نافية، و (أحد) نكرة في سياق النفي، وأدخل عليها (من) للتأكيد، فالنص عام للمتقدمين والمتأخرين، للذكور والنساء، للصغار والكبار.
(( ما منكم من أحد يتوضأ ) )الوضوء الشرعي كما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- من قوله وفعله بيانًا لما أوجب الله -سبحانه وتعالى- في آية الوضوء (( فيسبغ الوضوء ) )يعني يتمه، يتمه يأتي به تامًا كاملًا، من غير نقص ولا خلل (( ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ) )يأتي بالشهادتين محققًا لهما، عاملًا بمقتضاهما، وإلا إذا كان يلفظ بهاتين الشهادتين ويأتي بما ينقضهما فإن اللفظ لا يكفيه ولا ينفعه، إذا كان يقول بعد الوضوء، بل في كل وقت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله وهو يستعين بغير الله، ويستغيث بغير الله، ويطوف حول الأضرحة والقبور، هذا لا ينفع، ولو توضأ على أكمل وجه ثم تشهد هذه الشهادة التي هي بمجرد لسانه، يكذبها قوله وعمله، فإن هذا لا ينفعه (( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) )أنت تجعل مع الله إلهًا آخر بفعلك المناقض لهذه الشهادة، فكيف تقول: وحده لا شريك له؟ وأنت تشرك معه غيره؟
(( وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ) )ومقتضى هذه الشهادة للنبي -عليه الصلاة والسلام- بالرسالة طاعته في جميع ما أمر به، وترك جميع ما نهى عنه -عليه الصلاة والسلام-، وأن يتبع، ولا يعبد الله إلا بما شرع -عليه الصلاة والسلام-، أما من أخل بهذه الشهادة وهي شهادة أن محمدًا عبد الله ورسوله فإنه لا ينفعه النطق، من يقول: أشهد أن محمدًا عبده ورسوله ويغلو به، ويصرف له شيء من حقوق الله -عز وجل- لا تنفعه هذه الشهادة، بل هو مكذب لهذه الشهادة، كيف يقول: محمد عبد ويصرف له بعض أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله -عز وجل-؟ بل وجد من يغلو به -عليه الصلاة والسلام-، ويجعله في مقام الربوبية، بل منهم من لم يترك لله -عز وجل- حق، بل صرف جميع الحقوق للنبي -عليه الصلاة والسلام-، يا رسول الله أغثني، يا رسول الله أدركني.
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)