فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5358 من 56889

في مجال توجيه الثقافة لابد من التحديد السلبي أو تصفية أسباب التدهور

والانحطاط، ثم يأتي بعد ذلك التحديد الإيجابي، وإذا كانت عملية التصفية قد قام

بها البعض أو أنه من السهل القيام بها، فإن التحديد الإيجابي لعوامل الثقافة هو

المهم، والعناصر التي يؤكد عليها مالك بن نبي هي:

1 -عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية.

2 -عنصر الجمال لتكوين الذوق العام.

3 -منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام.

4 -التقنية أو (الصناعة) حسب تعبير ابن خلدون.

أولًا - توجيه الأخلاق:

ونعنى بالأخلاق: قوة التماسك اللازمة للأفراد، هذه القوة التي استطاعت

بناء المجتمع الإسلامي الأول، حتى كان الرجل يعرض على أخيه المناصفة في كل

شيء، وبعض هذه الأخلاق كانت من أسباب بناء المدنية الغربية، والشباب اليوم

ينظرون إلى هذه المدنية في يومها الحالي ويضربون صفحًا عن أمسها الغابر ينسون

أنه لولا صلات اجتماعية خاصة ما قامت هذه الصناعات ولما قام هذا العلم، ونظرة

إلى جامعة من جامعاتهم ترينا أن أساسها كان دينيًا قامت به جمعية خيرية دينية،

بل إن كلمة دين عندهم ( Religion) تعني في أصلها اللاتيني الربط والجمع [15] .

ثانيا -المنطق العملي:

إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة أو العقل المجرد، فهذا متوفر فهي

بلادنا، ولكن ينقصه منطق، العمل والحركة، كيف يصرف المسلم وقته؟ كيف

ينفق أمواله؟ كيف يستغل علمه؟ مع الأسف إن جزءًا كبيرًا من حياتنا يذهب عبثا،

فالمسلم أحيانا لا يفكر ليعمل بل ليقول كلامًا مجردًا، بل اكثر من ذلك، فهو

أحيانا يبغض الذين يفكرون تفكيرًا مؤثرًا، ولننظر إلى الأم التي تربى ولدها فهي

إما أن تبلده بمعاملة وحشية، وإما أن ترخي له العنان وتتميع معه، إن الوهن

والسخف يطبعان منطق قولها [16] .

ثالثا: الذوق الجمالي:

إذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات،

فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته، وهو شيء مطلوب فوق الضروريات

والحاجيات، وعندما ذكر الله سبحانه وتعالى خلق النجوم وغاياتها ذكر منها (الزينة)

] ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ[وكذلك عندما ذكر

خلق الحيوانات]ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ[وقد ورد في

الحديث» إن الله جميل يحب الجمال «وذلك في معرض رد الرسول -صلى الله

عليه وسلم- على الصحابي الذي سأله عن اللباس الحسن والنعل الحسن هل هذا من

الكبر فالذوق الرفيع من العناصر الإيجابية في الثقافة، فالتناسب والتناسق في

الأشكال والأشياء يعطي للإنسان راحة نفسية، والمنظر القبيح المتنافر لا يوحي

بأي خيال جميل، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أزهد الناس ولكنه

كان ينفر من ألوان معينة، ويشجع الناس على النظافة والاهتمام بالمظهر الحسن

وخاصة في المساجد وأيام الجمع والأعياد.

إن تربية الذوق الحسن في الأمة هو جزء من ثقافتها ومؤشر على درجة

ثقافتها.

رابعًا - الصناعة أو (التقنية) :

عرَّف ابن خلدون الصناعة بأنها: ملكة في أمر عملي فكري [17] وهذا

تعريف دقيق لما يسمى الآن (التقنية) فهي تحتاج إلى العلم والممارسة اليدوية حتى

ترسخ مع الزمن وتصبح (ملكة) كما عبر عنها ابن خلدون، وهذه الصناعة لا تكون

إلا في مجتمع متحضر، لأن المجتمع البدائي يحتاج إلى أمور بسيطة لا تحتاج

لتقنية، فوجودها يدل على درجة التحضر والعلم، فلابد أن يكون في المسلمين فئة

تتقن هذه (الصناعة) وتبدع فيها مما يناسب الإسلام والحضارة الإسلامية، وتبتعد

عن شرور سيطرة (الآلة) على الإنسان، وهذا يحتاج لمجلس للتوجيه الفني ليحل

نظريًا وعمليًا المشكلة الخطيرة للتربية المهنية تبعًا لحاجات البلاد [18] .

وإن الإمكانيات في البلاد الإسلامية لتسمح بتكوين القيادات التي تشرف على

طريقة تنفيذ هذه (التقنية) وأن تخضع لثقافة المسلم وذوقه المتميز. هذه العناصر

التي يرى الأستاذ مالك بن نبي أنها من مكونات الثقافة وأنها تحتاج لتوجيه معين

لاشك أنها تصلح لكل مجموعة بشرية أو لكل أمة تبحث عن ثقافتها الخاصة، وكأن

مالك استلهم هذا التحديد من علماء الاجتماع والحضارات في أوربا، وكان الأولى

أن يذكر زيادة على هذا العناصر الخاصة بالثقافة الإسلامية، إن عنصر الأخلاق

مثلًا أو الذوق الجمالي يتبعان عقيدة المسلم وتصوراته الخاصة، فهل يقال للمسلم

يجب أن يكون عندك ذوق في الموسيقى أو النظر إلى فن التصوير؟! لاشك أن

للمسلم خصوصياته في هذا المجال ...

** يتبع **

(1) مالك بن نبي: ميلاد مجتمع/105.

(2) سنن أبي داود 4/ 111.

(3) تأملات/38.

(4) المصدر السابق/32.

(5) ميلاد مجتمع /72.

(6) المصدر السابق /107.

(7) المصدر السابق /41.

(8) ميلاد مجتمع/42.

(9) المصدر السابق/70.

(10) مشكلة الثقافة/71.

(11) المصدر السابق/67.

(12) شروط النهضة/117.

(13) مشكلة الثقافة/71.

(14) آفاق جزائرية/99.

(15) شروط النهضة/134.

(16) السابق/147.

(17) مقدمة ابن خلدون 2/ 935.

(18) شروط النهضة/149.

(( مجلة البيان ـ العدد [19] صـ 34 ذو الحجة 1409 ـ يوليو 1989 ) )

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت