يقول كاتب هذه السطور:يدل على ما ذكره أبو الطيب الطبري من ذم عائشة بعد بلوغها الغناء ما رواه البيهقي في (السنن الكبرى) بسند صحيح عن بكير بن الأشج أن أم علقمة مولاة عائشة أخبرته أن بنات أخي عائشة خفضن فألمن من ذلك فقيل لعائشة يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن من يلهيهن قالت: بلى. قالت: فأرسلوا إلى فلان المغني فأتاهم فمرت به عائشة رضي الله عنها في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا وكان ذا شعر كثير فقالت عائشة رضي الله عنها: (أف شيطان أخرجوه أخرجوه) . أما القاسم بن محمد ففي (سنن البيهقي) يسنده إلى عبيد الله بن عمر قال: (سأل إنسان القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرهه قال: أحرام هو؟ قال: انظر يا أخي إذا ميز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء) قلت وفي رواية أن أبن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير إبن زيد أنه سمع عبيد الله يقول لقاسم بن محمد كيف ترى في الغناء فقال له القاسم: هو باطل فقال قد عرفت أنه باطل فكيف ترى فيه فقال القاسم: أرأيت الباطل أين هو؟ قال: النار. قال: فهو ذلك. ذكر هذه الرواية ابن القيم في (إغاثة اللهفان) .
الثاني: من الأجوبة على حديث الجاريتين المغنيتين أن غناءهما عبارة عن نوع من الشعر في وصف الحرب والشجاعة وما يجري في القتال ليس مما يهيج النفوس على الشر ويحملها على البطالة والقبيح. قال الخطابي كما في شرح البخاري للكرماني في أبواب العيدين: (كان الشعر الذي تغنيان به في وصف الحرب والشجاعة وما يجري في القتال وهو إذا صرف في معنى التحريض على قتال الكفار كان معونة في أمر الدين فلذلك رخص الرسول صلى الله عليه وسلم فيه واما الغناء بذكر الفواحش والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء المسقط للمروءة وحاشا أن يجري شيء منه بحضرته صلى الله عليه وسلم) .أ. ه
وقال النووي في (شرح صحيح مسلم) في هذا الغناء: (إنما كان في الشجاعة والقتل والحذق في القتال ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر ويحملها على البطالة والقبيح) .
وقال أبن القيم في (إغاثة اللهفان) : (يحتجون بغناء جويرتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب في الشجاعة ونحوها في يوم عيد بغير شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه وهذا شأن كل مبطل نعم نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الوجه أنما نحرم نحن وسائر أهل العلم والأيمان السماع المخالف لذلك) . قال شيخ الإسلام أبن تيميه في رسالة (السماع) : فثبت بهذا أن هذا الغناء نوع من الشعر لا يخرج الطباع عن الاعتدال قال الحافظ أبو الفرج إبن الجوزي في (تلبيس إبليس ) ) ):سمي الغناء لنوع يثبت في الإنشاد وترجيع ومثل ذلك لا يخرج الطباع عن الاعتدال قال:
وكيف يحتج بذلك الواقع في الزمان السليم عند قلوب صافية على هذه الأصوات المطربة الواقعة في زمان كدر عند نفوس قد تملكها الهوى ما هذا إلا مغالطة للفهم أو ليس قد صح في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد وإنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان والسن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك واين الغناء بما تقاولت به الأمصار يوم بعاث من غناء أمرد مستحسن بالات مستطابة وصناعة تجذب إليها النفس وغزليات يذكر فيها الغزل والغزالة والخال والخد والقد والاعتدال فهل يثبت هناك طبع هيهات بل ينزعج شوقا إلى المستلذ ولا يدعي أنه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حد الآدمية.
الثالث: من الأجوبة عن حديث المغنيتين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستمع إلى غناءهما. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (السماع) : (والأمر والنهي إنما يتعلقان بالاستماع لا بمجرد السماع كما في الرؤية فإنه إنما تتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منها بغير اختيار كذلك في اشتمام الطيب إنما ينهي المحرم عن قصد الشمم، فأما إذا شم مالا يقصده فإنه لا إثم عليه وكذلك في مباشرة المحرمات بالحواس الخمسة من السمع والبصر والشم والذوق واللمس إنما يتعلق الأمر والنهي في ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر ولا نهي) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)