قال ابن حَجَرٍ (3) : (( وقد اختُلِف في معنى النزول على أقوالٍ؛ فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته وهم المشبِّهة - تعالى الله عن قولهم ـ. ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرةٌ، والعجب أنَّهم أوَّلوا ما في القرآن من نحو ذلك،وأنكروا ما في الحديث إمَّا جهلًا وإمَّا عنادًا.
ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنًا به على طريق الإجمال، مُنزِّهًا الله تعالى عن الكيفيَّة والتَّشبيه وهم جمهور السَّلف، ومنهم من أوَّله على وجهٍ يليق مُستعملٍ في كلام العرب، ومنهم من أفرط في التَّأويل حتى كاد يخرج إلى نوعٍ من التَّحريف )) .
فالمعتزلة ينفون هذا الحديث، لأنَّه عندهم خبر آحادٍ، ويكفى لنفي صفةٍ لم تَرِد في القرآن أن يقولوا فيها أنَّها من أخبار الآحاد (4) !!. ولذلك عندما تعرَّض القاضي عبد الجبار (5) لتأويل بعض الصِّفات، لم يتعرَّض لصفاتٍ استقلَّت السُّنَّة بإثباتها.
ولهذا لم يتعرَّض لحديث النُّزول، ولا عرَّج عليه. مع أنَّ نظائر أكثر الآيات التي تعرَّضوا لها نطقت به السُّنَّة __.__
قال ابن فُورك (1) : (( واعلم أنَّه قلَّما يَرِد في هذه الأخبار من أمثال هذه الألفاظ إلا ونظائِرها موجودةٌ في الكتاب. وهي إذا وردت في الكتاب محمولةٌ عندهم على التَّأويل الصَّحيح، مخرَّجه على الوجه الذي يليق بصفاته تعالى. وإذا وردت في الأخبار أبطلوها مناقضةً منهم لأصولهم كسائر مناقضاتهم في مذاهبهم المبيَّنة على آرائهم الفاسدة، ممّا لم يشهد بها كتابٌ ولا سنّةٌ ولا بان فيها اتِّفاق الأمَّة، وذلك لجحدهم سنن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - واستخفافهم بأهل النَّقل واستهاناتهم برواياتهم ) ).
أمَّا الخلَف، أو الأشاعرة والماتريديَّة، فإنَّهم يتأوَّلُون النُّزول على أكثر من تأويلٍ (2) أشهرها: أنَّ النُّزول نزول الأمر والرَّحمه، أو أنَّه يُنْزِل مَلَكًا فينادي ... الحديث.
ون_قل ابن حَجرٍ (3) هذا الرَّأي مرتضيًا له، وقال: ويقوّيه ما رواه النَّسائي (4) من طريق الأغر، عن أبي هُريرة وأبي سعيد بلفظ: (( إنَّ الله يُمْهِل حتّى يمضِى شطْرُ الليلِ ثُمَّ يأمر مُناديًا فيقول .. ) ). ولم يذكر ابن حجر أو غيره، عن أيِّ راوٍ من رواة صحيح البُخاري هذا الضَّبط لهذه اللفظة، واقتصر محقِّق"دفع شبه التشبيه" (5) على لفظ"يُنْزِلُ"!! وهو غير ثابتٍ، وغيُر معروفٍ قائِلُه، وحاول أنْ يُلصِق هذا القول بابن حجر، والحال أنَّ ابن حَجَرٍ قد نقله عن ابن فُورك.
ثُمَّ إنَّ الأصبهانيَّ (1) قال في"الحجه" (2) : (( ذكر علي بن عمر الحَرْبي(3) في كتاب"السُّنة"أنَّ الله تعالى يَنزِل كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدُّنيا، قاله النبي - صلّى الله عليه وسلّم - من غير أن يقال كيف.
فان قيل: يَنْزِل أو يُنْزِل؟ قيل: يَنْزِل - بفتح الياء وكسر الزاي -، ومن قال: يُنْزِل - بضم الياء فقد ابتدع )) . ويؤيِّده لفظ البُخاري كما في الدَّعوات والتَّوحيد:"يتنزَّل".
أمَّا جمهور السَّلف وأهل الحديث فإنَّهم يُقرُّون بنزول الله - سبحانه وتعالى - نُزولًا يليق به، دون تشبيهٍ بمخلوقٍ ولا تكييف.
قال الصَّابونيُّ (4) : (( وثبَّت أصحاب الحديث نزول الرَّب سبحانه وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا، من غير تشبيهٍ بنزول المخلوقين، ولا تمثيلٍ ولا تكييف، بل يُثبتون ما أثبته رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - وينتهون فيه إليه، ويُمرُّون الخبر الصَّحيح الوارد ذكره على ظاهرِهِ، ويكون علمه إلى الله ) ).
وروى البَيْهقيُّ (15) عن الأوزاعِيِّ، ومالك، وسفيان الثَّوري، والليث بن سعد أنَّهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيَّةٍ.
والملاحظ أنَّ من نفى الأحاديث وأنكرها قد انطلق من التَّشبيه، وكذا من أوَّل وحاول صرف الألفاظ عن ظواهرها، لأنَّ التَّشبيه قد تبادر لأذهان هؤلاء فاضطروا للإنكار والتَّأويل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)