وهنا يمكن القول إن ذكر آية المداينة في هذه السورة وتحت مظلة هذه الغاية إنما هو أحد مقومات الحفاظ على العقيدة الصحيحة , وهذا يشير إلى أهمية الشفافية في علاقات الناس المالية , وأثر هذه المعاملات على عقائد الناس.
علاقة الآية بالمقصود الأعظم للسورة:
لاشك أن هذا النوع من المعاملات يشترك فيه أطراف عدة: الدائن , والمدين , والكاتب , والشهود , وهؤلاء جميعا تلحقهم تبعات وتكاليف وقيود لايمكن القيام بحقها إلا إذا وجد باعث ومحرض قوي يدفعهم إلى الالتزام , وأداء ما يطلب منهم.
ولست أرى باعثًا ومحرضًا على التزام ذلك أقوى من تدبر أمر البعث والإيمان به؛ فصاحب المال مشتريًا كان أو بائعًا أو مقرضًا يحتاج إلى شحنة إيمانية؛ كي يترك ماله فترة من الوقت عند الغير وهو مطمئن النفس.
والذي يأخذ الدَّين يحتاج أيضا إلى الإيمان بالبعث؛ ليكون حاجزا له عن المماطلة أو الإنكار.
وكذلك الشهود والكاتب: لأنهم وسطاء بين متناكرين في الغالب , والأصل في الشهود أنهم لا يأخذون عوضًا عن شهادتهم؛ فالذي يدفعهم إلى الشهادة غالبًا إيمانهم بالبعث والحساب.
وهكذا اتصلت الآية بالإيمان بالبعث اتصالًا وثيقًا.
كما أن اسم السورة (البقرة) وهي حادثة حدثت بين موسى عليه الصلاة والسلام وقومه حين جادلوه في ذبح البقرة وقالوا: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) (البقرة:67)
فكأنهم حين أنكروا الغيب أنكروا ذبح البقرة؛ إذ لا علاقة _ في نظرهم _ بين ذبح البقرة ومعرفة القاتل , ولو أنهم آمنوا بالغيب لما سألوا عن ماهيتها , ولونها , وتحديدها .. إلخ.
ومن هنا يتبين لنا أن قصة البقرة ذات علاقة وثيقة بالإيمان بالغيب؛ ذلك لأن البقرة كانت سببًا في عدة أمور؛ منها: إحياء الميت , وانفراج الغم الذي أحاط بالناس , والأهم من كل ذلك تعليم بني إسرائيل أن الإيمان بالغيب يستوجب التجرد من الأساليب الظاهرة.
كما أن هذا الاسم يحمل تحذيرًا من منهج اليهود في المجادلة , وتنبيهًا على خطأ أسلوبهم الذي استخدموه مع رب العزة ومع أنبيائه.
أضف إلى ذلك أن حادثة البقرة كانت لإظهار الحق وحفظه من الضياع , كما هو حال آية الدين.
فالبقرة أظهرت الحق في الدماء ,
وآية الدين تظهر الحق وتحفظه في شأن الأموال والديون.
خامسًا: وجه اختصاص سورة البقرة بآية الدين
في القرآن الكريم قد ترى المعنى الواحد مبثوثًا ومصروفًا في أكثر من سورة , لكن هناك معانٍ لم تذكر إلا في سورة واحدة ولا شك أن هذا المعنى الفريد له علاقة وثيقة بمقصود السورة الأعظم , بل إن هذا المعنى يعدُّ رافدا من روافد الوصول إلى هذا المقصود الأعظم.
يقول أستاذنا محمود توفيق- حفظه الله: قصة البقرة مثلًا لم ترد في غير سورة البقرة وكذلك قصة هاروت وماروت , وقصة تحويل القبلة , وفريضة الصيام وبيان أحكامه , وقصة طالوت وجالوت , وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت , وقصة الذي حاج إبراهيم في ربه , وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها , وقصة إبراهيم والطير , وكذلك أحكام المداينة (7) .
والذي يعنينا هنا هو آية المداينة.
وبالنظر في تلك المقاصد التي اختصت بها السورة دون غيرها يلحظ أنها وضعت في إطار القصة عدا الحديث عن الصيام وعن المداينة؛ فقد جاءا في إطار قوله (كُتب عليكم) .
أما الصيام فقد كتبه الله تعالى علينا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) .
وأما المداينة فلقد أُمرنا بكتابتها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ) (البقرة:282) .
أما وجه اختصاص السورة بآية المداينة فيقف من ورائه عدة أسباب:
منها: أن السورة جمعت بين الكليات الخمس التي جاء الإسلام لحفظها , وهي (الدِّين _ والنسل _ والعقل _ والنفس _ والمال) وحفظ المال يشمل وضع الضوابط للتداين حتى لا يضيع بعجز المدين أو مماطلته.
ومنها: أن المعاني التي حوتها سورة البقرة تمثل الركائز التي يقام عليها بنيان الأمة , ومن أخطرها المعاملات المادية؛ فكان البدء بها في أول سورة قرآنية من الضرورة بمكان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)