سادسًا: السياق العام والخاص للآية
لكل آية قرآنية عدة سياقات: سياق مباشر يتعلق بالمعاني الجزئية المحيطة بالآية.
وسياق أشمل داخل السورة يستعرض المعاني التي تناولتها , وعلاقاتها بالآية محل البحث.
ثم سياق عام قد يمتد ليشمل القرآن الكريم كله وبهذا يتحقق مقصود العلماء في أن القرآن الكريم كالكلمة الواحدة.
(وكلما ضاقت دائرة السياق كان أثره _ في النظم البياني أولًا وفي فقهه ثانيًا _ أكثر جلاءً , وكان إدراكه أيسر , ومن ثم خفَّت مؤنة فقهه على الكثيرين.
وكلما كانت دائرة السياق أوسع كان أثره في النظم أعمق , وكان فقهه أخفى , وإدراكه أعسر فثقل على كواهل الكثيرين , فقلّتْ الدراسات التي تعنى بسياق السورة , وسياق القرآن الكريم كله) (8)
والنظر البلاغي في السياق القرآني ليس مجاله الدائرة الصغرى من دائرة السياق , ومَن اقتصر عليه يكون قد غبن الدرس البلاغي.
بل رسالته الفريضة أن يمد نظره إلى سياق السورة كلها , وسياق القرآن الكريم كله , إن استطاع؛ ذلك لأنه يستشرف إلى ما يؤدي تمام المعنى القرآني في دقائقه , ورقائقه , ولطائفه , وذلك لا يتحقق إلا في سياق السورة , ثم في سياق القرآن الكريم كله.
(وأهل العلم يدركون قيمة البناء البياني للسورة؛ إذ هي وحدة التحدي الصغرى الذي جاء به القرآن الكريم , وتمام المعنى لا يدرَك في سياقه الجزئي , وإنما يُدرك في سياق السورة كلها التي هي وحدة التحدي .. وكل درس لآية خارج سياق سورتها هو درس خداج , عاجز عن استبصار كثير من وجوه المعنى القرآني التي تُغزو الروح , والقلب) (9)
وفي سياق سورة البقرة تُعدّ آية الدين حلقة من حلقات الحديث عن الاقتصاد الإسلامي , والتي قامت على أساس الحلال , والحض عليه , ونبذ الحرام , والتحذير منه.
فالجذر الذي بنيت عليه كل المعاملات هو قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة:168) .
فهذا هو أصل المعاملات , وهو بداية القسم التشريعي في سورة البقرة , بعد القسم العقدي , والذي بدأ بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21) .
فكأن السورة يمكن جمعها في سطرين؛ حيث جاءت نداءً للناس كافة بأمرين:
الأول: عبادة الله تعالى , والآخر: أكل الحلال.
وفي السياق التشريعي جانب كبير يتعلق بالأموال , والمكاسب المالية , ثم جانب آخر يتعلق بالإنفاق , ودار السياق على هذين المحورين:
1 -مصدر المال
2 -إنفاق المال.
والملاحظ أن هناك خطابين:
الأول: للجميع بلفظ (الناس) وهو (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة:168) .
والآخر: جاء للمؤمنين , وقد فصل هذا الأخير إلى قسمين: (أمر ونهي) .
فقيل في الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة:172)
وقيل في النهي: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (البقرة:188) .
وهذه دعائم ثلاث توضح المرتكزات التي تُبنى عليها القواعد الاقتصادية , وقد صيغت في قالب الجمع , ثم التقسيم: الجمع في قوله (يا أيها الناس) .
والتقسيم في قوله (يا أيها الذين آمنوا كلوا) , ثم , (ولا تأكلوا أموالكم) .
ثم جاء بعد ذلك حديث عن الإنفاق , وهو الركيزة الثانية , أو الجناح الآخر للاقتصاد.
فالاقتصاد (كسب , وإنفاق) ؛ فقيل أولًا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195) .
ثم يتصاعد هذا الحديث عن وجوه الإنفاق , فيذكر مرة أن الإنفاق (َلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (البقرة:215) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)