ثم وجوه الإنفاق على النكاح ومستتبعاته , ثم الصدقات , ثم تحديد نوع المال المنفق , وأنه لابد أن يكون من الطيبات , ويظل الإلحاح على النفقة , وتهذيبها وتحري الطيبات منها , والتوجه بها إلى الله تعالى وحده إلخ
وهذا يوضح أن الحديث عن الإنفاق زاد بكثير على الحديث عن الكسب , فَلِمَ؟
في نظري لأن القصد من الكسب هو الإنفاق , ولم يكن الكسب يومًا غايةً لذاته.
ثم تعاود السورة الحديث عن ضرب آخر من الكسب , وهو الكسب الربوي , وبينت خطورته , وإثم من يتعاطاه
ثم جاءت آية المداينة , لكنها فصلت عن الحديث عن الربا بآية تحذيرية , وهي آخر آية نزلت من القرآن الكريم , وهي قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281) .
ووضعها بين آيات الربا وآية الدين يفيد أنها تحذر من الربا وما يؤدي إليه.
أما الربا فقدّم عليها , وأما ما يؤدي إليه فتأخر عنها , فكأن الآية توسطت بين الربا وبين الديون , وهي الباب المؤدي إلى الربا غالبًا.
وهذا الترتيب _ أعني وضع آيات الربا , ثم التذكير بالرجوع إلى الله تعالى , ثم آية المداينة _ هذا الترتيب يعد من أبلغ ألوان التحذير؛ لأن النفوس مازالت في خوف وترقب , واستشعار الغضب الإلهي بسبب الربا.
وحين تأتي آية المداينة في هذا الجو المفعم بالخشية , والرعب , والحذر , والترقب؛ فإن النفوس تضفي على المداينة , وأنواعها ألوانًا من التحذيرات التي مازالت عالقة بها من الربا الذي هو حرب لله تعالى ورسوله , ومن مشاهد القيامة التي تجعل الولدان شيبا , ولا شك أن آية المداينة حين صاحبت آيات الربا قد أصابها من وعيدها , وتهديد أصحابها , والمبالغة في إنذارهم الكثير.
ولم لا والديون بوابة الربا , ومفتاح من مفاتيحه؟!
ولم لا وأكثر الخصام بين الناس يكون بسبب تلك المعاملات؟!
ولم لا وآية المداينة قد امتلأت بالأشواك التي تحتاج إلى حذر شديد عند التعامل بها؟!
فإذا توجه البحث إلى النظر في وجود آية االمداينة في خواتيم سورة البقرة لتبين أنها جاءت بعد طريق طويل , سلكت فيه السورة كل سبيل لترسخ قواعد التوحيد , وتفصل شرائع الإسلام , وتربط كل ذلك بالبعث والنشور والرجوع إلى الله تعالى.
وهذا يعني أن النفوس في تعاملاتها المادية تحتاج إلى توطئة طويلة من الأوامر الدينية , كما تحتاج إلى ضوابط صارمة من الأوامر والنواهي , في هذا المضمار؛ ولذلك لا توجد آية قرآنية حوت من المحاذير ما حوته آية المداينة.
إن الحديث عن الاقتصاد الإسلامي من الأهمية بمكان؛ لأنه ركيزة من ركائز ثبوت الدين , ودوامه , وانتشاره؛ ولذلك وضع في أول سورة قرآنية بعد الفاتحة.
والبدايات دائمًا تكون كالأسس والدعائم لكل بنيان , فإذا نظرنا إلى الإسلام كبنيان نلحظ أنه يقوم على ركيزتين:
الأولى: عقيدة راسخة تثمر عبادة وأخلاقًا.
والأخرى: قوة ٌ تحمي هذه العقيدة وتلك العبادة , وتضمن بقاء الأخلاق وانتشارها , ومن أجل ذلك كان محور سورة البقرة يدور حول هذين الأمرين؛ لأن الخلل فيهما هدمٌ لمعالم الأمة المسلمة وتفتيت لأركانها , ولا يقوى أحدهما إلا في قوة الآخر؛ فالأمة التي تُعنى بالعقيدة ولا تعنى بالقوة التي تحمي هذه العقيدة لابد أن يأتيها عدو يزلزل هذه العقيدة.
ومن هنا تتبين علاقة هذه الآية بالسورة عامة , وبالمقصود الأعظم منها , وهذه العلاقة تتضح , وتنكشف في مواضع , وتخفى وتستكن في مواضع أخرى , لكن في النهاية تظل علاقة الآيات كعلاقة الأنساب في عالم الإنسان , وكأن السورة في الذكر الحكيم قبيلة في أمة يربطها أصل واحد , وإن اختلفت صور أفرادها وأشكالهم , وألوانهم , لكنهم جميعا إلى رجل واحد (10)
سابعا: علاقة الآية بأول سورة البقرة وآخرها
لاشك أن آية المداينة خيط من خيوط السورة , وعنصر من عناصرها , وهذا العنصر يستقي ماءه من جذر السورة , أو المقصود الأعظم , ويرتبط بالباقي برباط يدق في موضع , ويعظم في آخر.
والذي لابد من الالتفات إليه هو النظر إلى الآية على أنها ختام آيات التشريع في سورة البقرة , والتشريع ما هو إلا رافد كبير من روافد النهر الذي أشارت إليه المقدمة.
كيف هذا؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)