وقولهم: (محصور في الصفة) تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل كما لو أسلم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة.
وقولهم: (بعين حاضرة) تحرز من الدين بالدين.
وقولهم: (أو ما هو في حكمها) تحرز من اليومين , أو الثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه؛ فإنه يجوز تأخيره عندنا , ذلك القدر , بشرط , وبغير شرط لقرب ذلك ....
وقولهم: (إلى أجل مسمى) تحرز من السلم الحال؛ فإنه لا يجوز على المشهور ....
ووصف الأجل (بالمعلوم) : تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه (29)
وقيل في السلم: (أن يسلم عوضا حاضرًا في عوض موصوف في الذمة إلى أجل مسمى , ويسمى سلمًا وسلفًا , يقال: أسلم , وسلّف , وهو نوع من البيع ينعقد بما ينعقد به البيع , ... ويعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع , وهو جائز بالكتاب والسنة , أما الكتاب , فقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ .... )
وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه , ثم قرأهذه الآية.
ولأن هذا اللفظ - أي الدين -يصلح للسلم , ويشمله بعمومه.
وأما السنة , فروى ابن عباس عن الرسول _صلى الله عليه وسلم _ أنه قدم المدينة , وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث , فقال (من أسلف في شيء , فليسلف في كيل معلوم , ووزن معلوم , إلى أجل معلوم) متفق عليه.
وروى البخاري عن محمد بن أبي مجاهد قال: أرسلني أبو بردة وعبد الله بن أبي شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى , وعبد الله بن أبي أوفى فسألتهما عن السلف فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فكان يأتينا أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب , فقلت: أكان لهم زرع , أم لم يكن لهم زرع؟
قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم على أن السلم جائز؛ ولأن الثمن في البيع أحد عوضي العقد ,فجاز أن يثبت في الذمة , ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع , والثمار , والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم , وعليها لتكمل , وقد تعوزهم النفقة , فجوّز لهم السلم ليرتفقوا , ويرتفق المسلم بالاسترخاص (30)
السلف:
(سلف يسلُف سلفًا وسلوفا ً, يجيء على معان:
السلف: القرض , والسلم , والسلف أيضا كل عمل قدمه العبد ...
وأسلف في الشيء: سلم , والاسم منها: السلف , وهو نوع من البيوع يعجل فيه الثمن , وتضبط السلعة بالوصف إلى أجل معلوم.
والسلف: القرض , يقال: أسلفته مالًا؛ أي: أقرضته.
قال الأزهري: كل مال قدمته في سلعة مضمونة اشتريتها بصفة فهو سلف وسلم , وروي عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ أنه قال: (من سلّف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) .
أراد: من قدم مالًا , ودفعه إلى أجل في سلعة مضمونة ....
والسلف في المعاملات له معنيان:
أحدهما: القرض الذي لامنفعة للمقرض فيه غير الأجر والشكر , وعلى المقترض رده كما أخذه
والعرب تسمي القرض سلفًا كما ذكره الليث.
والمعنى الثاني: هو أن يعطي مالًا في سلعة إلى أجل معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف؛ وذلك منفعة للمسلف , ويقال له سلم دون الأول؛ وفي الحديث (أنه استسلف من أعرابي بَكْرًا؛ أي: استقرض) (31) .
وقيل: السَلَف بفتحتين هو: السلم وزنًا ومعنىً , قيل هو لغة أهل العراق , والسلف لغة أهل الحجاز.
وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّ الله عنه , ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى) (32)
والتعبير بأخذ أموال الناس يشمل أخذها بالاستدانة , وأخذها لحفظها , والمراد من إرادته التأدية: قضاؤها في الدنيا , وتأدية الله تعالى عنه يشمل تيسيره لقضائها في الدنيا , بأن يسوق إلى المستدين ما يقضي به دينه , وقضاؤها في الآخرة: بإرضائه غريمه بما شاء الله تعالى ....
وقوله: (يريد إتلافها) : الظاهر أنه من يأخذها بالاستدانة فعلًا , لا لحاجة , ولا لتجارة , بل لا يريد إلا إتلاف ما أخذ على صاحبه ولا ينوي قضاءها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)