الأفعال:
وقد ورد منها تسعة وعشرون فعلًا, منها اثنان وعشرون فعلًا معربًا , وستة أفعال مبنية , منها ثلاثة مبنية , وثلاثة أفعال أمر.
الأسماء الموصولة:
وقد ورد منها: (الذين _ الذي _ مَنْ) .
رؤية بيانية لهذا المعجم
بعد حصر هذه اللبنات تبين بجلاء شيوع بعضها , وقلة البعض الآخر , والفريضة التي أراها في الدرس البلاغي التحليلي هي النظر في وجه البيان خلف ما أشيع , وقلة ما ندر؛ ذاك لأن اليقين _ الذي لا محيد عنه _ أن الخالق الكريم أحكم هذا الكتاب الكريم , وقد قال سبحانه: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود:1)
فكل حرف مضبوط بضوابط تسير في فلك المراد , وتتواءم مع المقصود.
ومن هنا يلحظ ما يلي:
· كثرة الأمر , والنهي , والشرط , حتى كادت الآية تُحصر بينهم , وهذه الأساليب - بلا شك - قيود وعوائق تقف في وجه هذا النوع من التعامل بين المؤمنين , وكأن الآية تقول لا ينبغي إتمام هذا الأمر إلا بعد تحقيق هذه الضوابط , فإن اختل منها شيء خرجت _ حينئذٍ _ تلك المعاملة عن منهج الله المرسوم , وأدى ذلك إلى خلاف وشقاق لانهاية له.
وإذا كان الأصل في المعاملات الإباحة مالم يرد الدليل بخلاف ذلك , فإن التعامل بالدين , وهو مباح شرعًا أحيط بسياج من المحاذير (أوامر , ونواهٍ , وشروط) التي تحدُّ من شيوع هذا التعامل؛ لأن طريق الدين وعر , صعب , والزلل فيه كثير , فقد يؤدي إلى الربا , وقد يؤدي إلى الخلاف والشقاق بين الناس.
إن القيود لا توضع إلا عند استشعار الخطر , كما توضع علامات المرور في الطريق لتشير إلى الحذر , ولما كانت الديون تترك في النفوس حرجًا , وتؤدي إلى ما يغضب الله تعالى _ من ربًا ونحوه _ أحيط بالشرط , والأمر , والنهي.
وكثرة هذه القيود إعلاء من شأن التحذير؛ لتضييق هذه المعاملة من جهة , ولأخذ الحذر عند التعامل بها من جهة أخرى , حتى الأساليب المساعدة في الآية مثل أسلوب النداء _ مثلًا _ يتواءم مع هذا التحذير؛ لأن النداء ضرب من التنبيه.
وأسلوب الاستثناء: إنما هو انتقاء جزء من كل؛ إذ ليس كل المعاملات سواء.
وأسلوب التفضيل: يصرِّح بهذا المعنى أيضًا؛ لأن هناك معاملات بديلة للديون أولى بالاتباع , كالبيع الناجز ونحو ذلك.
فإذا جئنا إلى الأدوات نلحظ ما يلي:
في حروف الجر شاع حرف الباء؛ حيث ذكر خمس مرات , ثم (من) حيث ذكر أربع مرات.
وحرف الباء يدور بين معاني الإلصاق , والاستعانة , والزيادة , وهي معانٍ لا تبعد كثيرا عن الديون؛ فالمَدِين ملصق بالدائن , مستعين به؛ لأخذ بعض الزيادة من ماله , أو هو ملصق بالأرض من الفقر , مستعين بغيره رغبة في زيادة ماله , والإلصاق هو أشهر معاني الباء , (وقيل: إنه لا يفارقها , ويعني تعلق أحد المعنيين بالآخر) (38) .
فالتعلق هو أبرز ما يميز الباء , والتعلق أيضًا هو أبرز ما يميز الديون.
أما (مِنْ) : فمن معانيها التبعيض , وابتداء الغاية , والتقليل , والبدل , بل إنها تأتي أيضا بمعنى الباء , كما في قوله تعالى:"ينظرون من طرف خفي"أي: به) (39)
وعلى هذا , فإن ما أشيع من حروف جر في الآية لا يخرج معناه عن حمى الديون , بل يرتع فيه , حتى تكتمل اللوحة التي تصور أطراف المعاملة , وضوابطها.
أما (أن) فإنها وردت في الآية مصدرية فقط , وإن كانت تأتي لمعانٍ كثيرة , لكن تأويلها مع ما بعدها بمصدر يشير إلى دخولها في الفعل بعدها , وانضمامها إليه والتصاقها به , وهذا أيضا لا يخرج عن الإطار الذي تدور في فلكه الآية.
أما الأفعال الناسخة , فقد استعمل منها (كان _ ليس) .
(والأصل في معنى _ كان _ المضيّ , والانقطاع) (40) .وكأنها تشير إلى أن مصير كثير من الديون الانقطاع , بل والضياع , إلا المضبوطه , وهنا تبرز (ليس) التي ذكرت مرة واحدة؛ لتفيد استثناء الديون المأخوذة بحق , والمحفوظة بالشرع.
وهكذا كلما تتبعتَ اللبنات الصغرى داخل الآية وحصَرتَ الشائع منها , وجدت أن الكل يدور في فلك واحد , وتتشابك خيوطه في نسيج واحد؛ لتكوّن صورة واحدة لمضمون واحد , وهو التحذير من الديون , وأخذ الحذر عند التعامل بها.
الفصل الثالث
التحليل البلاغي للآية
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)