التحليل البلاغي لأسلوب النداء في: يا أيها الذين آمنوا
(الخطاب هنا موجه للمؤمنين؛ أي لمجموعهم , والمقصود منه: خصوص المتداينين , والأخص بالخطاب هو المدين؛ لأنه من الحق عليه أن يجعل دائنه مطمئن البال على ماله , فعلى المستقرض أن يطلب الكتابة , وإن لم يسألها الدائن.
ويؤخذ هذا مما حكاه الله تعالى في سورة القصص عن موسى وشعيب _ عليهما السلام _؛ إذ استأجر شعيب موسى , فلما تراوضا على الإجارة وتعيين أجلها , قال موسى: (والله على ما نقول وكيل) فذلك إشهاد على نفسه لمؤاجرِه دون أن يسأله شعيب ذلك). (41)
وحرف النداء (يا) له من الخصائص ما ليس لغيره , فهو (أصل حروف النداء , وأكثر حروف النداء استعمالا , ولا يُقدَّر عند الحذف سواه , ولا ينادى اسم الله _ عز وجل _ واسم المستغاث , وأيها , وأيتها , إلا به.
قال النحاة: (يا) أم الباب , ولها خمسة أوجه من التصرف:
أولها: نداء القريب والبعيد. وثانيها: وقوعها في باب الاستغاثة دون غيرها.
ثالثها: وقوعها في باب الندبة ورابعها: دخولها على أي.
وخامسها: أن القرآن المجيد مع كثرة النداء فيه لم يات فيه غيرها) (42)
ومن دلالة هذا النداء (وخصائص نظمه , واصطفاء عناصره على هذا النحو يبدو فيه ما يدل على إلزامهم بما دخلوا فيه طوعا من إيمان وتسليم) (34)
فهم الذين ارتضوا هذا الدين وآمنوا به وسلموا لأوامره ونواهيه , وكأن النداء تذكير لهم بما التزموا به , وارتضوا؛ فقيل لهم: (يا أيها الذين آمنوا) (44)
كما أن في اصطفاء لفظ (آمنوا) على هذا النمط _ حيث جاء فعلًا _ إشارة أخرى إلى (أن إيمانهم لا يزال فعلًا , وأنه ما يزال فيهم بقية من غفلة) (45) وليدخل فيه عموم من دخلوا في الإيمان , وليس خصوص المؤمنين؛ لأنه مما لا شك فيه أن هناك فرقًا بين أن يقال: (يا أيها المؤمنون) و (يا أيها الذين آمنوا) ؛ فالمؤمنون أعلى منزلة , وأكثر إيمانًا من الذين آمنوا؛ ذلك لأن الإيمان في المؤمنين صار اسمًا لهم , وصفة ثابتة , أما الذين آمنوا؛ فالإيمان لديهم لا يزال فعلًا , ولم يرق إلى مرحلة الثبوت , وفرق بين هذا وذاك.
وعلى كلٍّ , فإن النداء عليهم (تشريف لهم بتعريفهم بخير صفاتهم) (46)
وزد على ذلك أن النداء عليهم صادر عن الحق _ سبحانه وتعالى _ وليس هناك وسيط بينه وبينهم , وفي ذلك أيضا من التشريف ما فيه (وهذا التكليف والتذكير , والتشريف المحتَضَن في رحم النظم متناسق أيما تناسق مع ما هو آت من بعد) (47)
ونخلص من كل ذلك أن هذا النداء يحمل عدة معانٍ:
1 -عموميته؛ حيث يدخل فيه القريب والبعيد.
2 -تذكير المنادى بما التزم به من إيمان؛ ليكون دافعًا له إلى التسليم والطاعة.
3 -الإلماح إلى نقص إيمانهم؛ فما زالوا يُؤمرون ويُنهون؛ ففي التزامهم إكمال لهذا الإيمان
, وإتمام لهذا البناء.
4 -إرفاق كل ذلك بالتشريف , والتقدير , فهم موصولون بالله تعالى ,لمباشرته ندائهم.
تلك بعض المعاني الملحوظة من خلال هذا النداء.
فقه دلالة أداة الشرط في قوله تعالى (إذا تداينتم بدين)
يرى النحاة أن هذه الأداة ليست نصا في الشرط , (والسبب الذي من أجله لا يستخدمونها في الشرط أنها تجيء وقتاٍ معلومًا , ومعنى ذلك أنها إنما تعيّن نقطة التقاء حدثين في المستقبل , دون أن تجعل حدوث أحدهما مشروطًا بحدوث الآخر , ولكنها في الشعر تضطلع بتلك الوظيفة الشرطية , فتجمع إلى تعيينها نقطة التقاء الحدثين في المستقبل ترتب حدوث أحدهما على الآخر.(48)
(والنحاة يشعرون بأن الأصل في الأدوات الشرطية العمل , وأن الجزم سمة من سمات الأداة الشرطية , لذلك وصفوا الأدوات العوامل بأن ّ فيها معنى الشرط) (49) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)