فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9855 من 56889

إن صيغة"اداينتم"تشعر بأنهم الغُرماء , وأن المؤمنين جميعًا مدينون لغيرهم , وهذا غير مقصود؛ لأن الدائن , والمدين في الآية من المؤمنين , وهذا مفهوم من الفعل"تداينتم"؛ ولذلك قال ابن جريج:"من ادَّان فليكتب , ومن باع فليُشهد ,) (56) "

فاختيار صيغة"افتعل"لأن المقصود: مَنْ أخذ دينًا , أو اشترى بدين , فعليه الكتابة.

أما لو قيل: (من تداين) لفُهِم منه: من تعامل بدين , سواء أكان دائنًا أم مدينًا , وعليه فالصيغة الواردة في الآية توحِي بأن الأصل في المجتمع المسلم أن تكون حركة بيعه وشرائه وتعاملاته بينه وبين بعضه , وأنّ تعامله مع الآخرين يخرج عن الأصل إلى الضرورة.

كما أن وضع الفعل"تداينتم"في إطار الشرط يفيد هذا النوع من التعامل , فالديون والتعامل بها لابد أن يكون في إطار الضرورات , وليس العكس , مما يترتب عليه التضييق على هذا النوع من التعامل.

فإذا أضيف إلى كل ذلك معنى الدّين , وأنه يفيد الخضوع , والذل , لعلمنا أن الآية من بدايتها تحذر المؤمنين حتى يحُدُّوا من هذه المعاملات القائمة على الديون.

دلالات البيان في قوله:"بدين"

يرى البعض أن الجار والمجرور (بدين) تأكيد لقوله: (تداينتم) , مثل قول الله تعالى (ولا طائر يطير بجناحيه) , وقوله: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) .

(فإن قال قائل: وما وجه قوله:"بدين"وقد دل بقوله"تداينتم"عليه؟

وهل تكون مداينة بغير دين , فاحتيج إلى أن يقال (دَيْن) ؟

قيل: إن العرب لمَّا كان مقولا ًعندهم (تداينا) بمعنى: تجازينا , وبمعنى: تعاطينا الأخذ والإعطاء بِدَيْن , أبان الله تعالى بقوله (بدين) المعنى الذى قصد تعريفه من قوله: (تداينتم) حكمته , وأعلمهم أن حكم الدين دون حكم المجازاة.

وقد زعم بعضهم أن ذلك تأكيد كقوله: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) .

ولا معنى لما قالوا في هذا الموضع (57) .

يقول العلامة أبو السعود: (إن فائدة قوله _ بدين _ هي: تخليص المشتَرك , ودفع الإيهام قصدا؛ لأن تداينتم يجيء بمعنى: تعاملتم بدين , وبمعنى: تجازيتم , ولا يُرَدُّ عليه بأن السياق يرفع الإيهام؛ لأن السياق قد لا ينتبه إليه الفَطِن ,وقد ذُكر ليرجع الضمير إليه؛ إذ لولاه لقيل:(فاكتبوا الدين) , فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذوي الذوق بأساليب الكلام.

واعتُرض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) .

وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر , بل هو أحد العوضين , ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق , ولا يُكتفى به في معرض البيان , لاسيما وهو مُلبس.

وقيل: ذكر؛ لأنه أبين؛ لتنويع الدين إلى مؤجل , وحال؛ لما في التنكير من الشيوع , والتبعيض , لما خص بالغاية , ولو لم يذكر لاحتُمل أن الدين لا يكون إلا كذلك (58) .

وقد يكون استعمال لفظ (بدين) دفعًا لتوهم المجاز؛ ذلك لأن التداين قد يفهم منه معنى الوعد , كما قال رؤبة:

داينت أروى والديون تقضى ... فمطلت بعضًا وأدت بعضًا.

فذكر قوله: (بدين) دفعًا لتوهم المجاز) (59)

أي: دفعًا لفهم الوعد؛ أي: واعدت أروى , والوعود تقضى.

فلما كان المجاز غير مراد في الآية , ذكر لفظ (بدين) .

ويلمح الزركشى في ذكر (بدين) مَلْمَحًا آخر يقول فيه: (أما قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين"فإنما ذكر قوله:(بدين) مع (تداينتم) لوجوه:

أحدها: ليعود الضمير في (فاكتبوه) عليه؛ إذ لو لم يذكره لقال: فاكتبوا الدين.

والثاني: أن تداينتم , مفاعلة من الدَّين بتشديد وفتح الدال , ومن الدِّين بتشديد وكسر الدال , فاحتيج إلى قوله: (بدَين) ؛ ليبين أنه من (الدَّين) لا من (الدِّين) .

وهذا أيضا فيه نظر؛ لأن السياق يرشد إلى التداين.

الثالث: أن قوله (بدين) إشارة إلى امتناع بيع الدين , بالدين كما فسره قوله _ صلى الله عليه وسلم _ (هو بيع الكالئ بالكالئ) , وبيانه: أن قوله تعالى: (تداينتم) مفاعلة من الطرفين يقتضي وجود الدين من الجهتين , فلما قال (بدين) عُلم أنه دين واحد من الجهتين.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت