وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأنعام:60) .
وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (الرعد:2)
وقوله تعالى: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ... ) (الحج:5) .
أما لفظ (معلوم) فإنه جاء وصفا ًفي القرآن الكريم لألفاظ مثل (الكتاب - القدر - يوم - رزق - مقام - حق - وقت .... إلخ) (62) .
وهذا يشير إلى الاتساع في معنى اللفظة.
لكن يبقى سؤال:
ما وجه استخدام النبي -صلى الله عليه وسلم - لهذا اللفظ (معلوم) مع الأجل , مع أن السياق سياق تحديد؟.
لعله من باب المشاكلة؛ أعني أنه لما قال: (فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم) قال (إلى أجل معلوم) ليشاكل ما سبق من الكلام.
كما أن في قوله تعالى: (إلى أجل مسمى) إدماج , والإدماج: (أن يضمَّّن كلام سيق لمعنى معنى آخر) (63) .
وفي الآية أدمج تشريع الأجل في تشريع التسجيل , وكتابة الديون , وهذا ضرب من الإيجاز الموحِي إلى مكانة الأجل في البناء الحاكم , والضابط للدَّين؛ فالأجل جزء ولبنة من هذا البناء.
وأمر آخر , وهو أنه لو قيل: فاكتبوه , وأجلوا أجلًا , لَظُنَّ أن كتابة الدين مقصود بها المقدار فقط , ولظُن أيضًا إمكانية خلوّ العقد من تحديد الأجل , وهذا غير مراد - كما أفهم - لأن القصد إلى تضمين العقد موعد السداد , فهو جزء من العقد , وبند من بنوده , رتبت الكتابة عليه , وجاءت بعده لتشمله.
بلاغة التعبير عن كتابة الديون
جاء الأمر بكتابة الدين في صورتين:
الأولى: في قوله تعالى: (إذا تدينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) .
والأخرى في قوله تعالى: (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) .
وهذان الجزآن قد جاءا بصيغة الأمر , وأول ما يلفت الانتباه هو اختلاف الصيغة , فالأمر بالكتابة عامة اصطُفي له صيغة"افعل", وتعيين الكاتب اصطُفي له صيغة"ليفعل".
(وإذا تأملنا صورة الأمر"ليفعل", وصورته"افعل"ألفينا أن دلالة"ليفعل"على حقيقة معنى الأمر أكثر من دلالتها على غيرها , بينما دلالة"افعل"على غير حقيقة معنى الأمر كثيرة جدًا , بل متنوعة الدلالة , وفي هذا ما قد يُعرب عن أن صيغة"ليفعل"لمَّا كانت هي الأصل في الوضع الأول وأقلّ استعمالًا كانت أليط بحقيقة معنى الأمر , بينما صيغة"افعل"أقدر على أن تتسع لدلالات عديدة على لاحب مساقات متباينة - مثل: الإباحة أو الندب , أو نحو ذلك.(64)
فكان فقه الدلالة البيانية لصيغة"افعل"أصعب مراسًا , وأدعى إلى طول مراجعة , ونفاذ بصيرة في أغوار السياق المقالي والمقامي , فإن هذه المعاني السياقية لتلك الصيغة كثيرًا ما تتداخل , أو يستدعي بعضها بعضًا , مما يُدخل المرء في إشكالية الوعي بدقائق الوجوه الدلالية للصيغة. (65)
ومن هنا يقف البحث أمام الأمر الأول:
(فاكتبوه)
وأول ما يلفت الانتباه في هذا التركيب ضمير المفرد (الهاء) الغائبة , فهل تعود إلى الدين , أم إلى الأجل؟
كلا الأمرين يجوز , وقد تكون الكتابة للدين والأجل معًا , وهنا يطرح سؤال آخر.
لِمَ أفرد الضمير؟
إن الأولى بالفهم - عندي- هو عود الضمير إلى الدَيْن , وسبب إفراد الضمير هو دخول الأجل في بنود العقد المكتوب , فلا يقال: كتب الدين إلا وهو يريد كُتِب مقداره وأجله , ونحو ذلك.
يقول القرطبي:"وفي قوله:"فاكتبوه"إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبينة له , المُعرِبة عنه؛ للاختلاف المتوهم بين المتعاملين , المُعرِّفة للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه" (66)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)