وعليه يكون في الكلام إيجاز؛ حيث كتابة قيمة الدين وصاحبة , وموعد السداد , ومكان السداد .... إلى آخر هذه الأمور التي يُنصُّ عليها في العقد المكتوب؛ ولذلك يقول القرطبي أيضًا:"فاكتبوه": يعني الدين والأجل ... ويقال: أُمر بالكتابة , ولكن المراد: الكتابة والإشهاد؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة" (67) "
أثر السياق في تحديد حكم الكتابة:
ذهب البعض إلى أن كتب الديون واجب على أربابها فرضٌ بهذه الآية - بيعًا كان أو قرضًا؛ لئلا يقع فيه نسيان أو جحود.
قال ابن جُريج:"من ادَّان فليكتب , ومن باع فليُشهد".
وقال الشعبي:"كانوا يرون أن قوله:"فإن أمن بعضكم بعضًا"ناسخ لأمره بالكتب ...."
وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ , ثم خففه الله تعالى بقوله:"فإن أمن بعضكم بعضًا."
وقال الجمهور:"الأمر بالكتب ندبٌ إلى حفظ الأموال , وإزالة الريب , وإذا كان الغريم تقيًا فلا يضره الكتب ..."
وقال بعضهم:"إن أشهدتَ فحزمٌ , وإن ائتمنت ففي حلٍ وسعة؛ فالندب: إنما هو على جهة الحيطة للناس ...") (68)
وقال الشافعي - رحمه الله:(لما أمر الله تعالى بالكتاب , ثم رخص في الإشهاد إن كانوا على سفر ولم يجدوا كاتبًا , احتمل أن يكون فرضًا , وأن يكون دلالة .. , فلما قال جل ثناؤه::"فرهان مقبوضة ..."والرهن غير الكتاب والشهادة .. ثم قال:"فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه", دل كتابُ الله عز وجل على أن أمره بالكتاب ثم الشهود ثم الرهن إرشاد لا فرض عليهم؛ لأن قوله:"فليؤد الذي اؤتمن أمانته"إباحة لأن يأمن بعضهم بعضًا , فيدعَ الكتاب والشهود والرهن.
قال: وأحب الكتاب والشهود؛ لأنه إرشاد من الله تعالى , ونظرٌ للبائع والمشتري , وذلك أنهما إن كانا أمينين فقد يموتان , أو أحدهما فلا يُعرف حق البائع على المشتري فيتلف على البائع , أو ورثته حقه.
وقد يتغير عقل المشتري .. وقد يغلط فلا يقر؛ فيدخل في الظلم من حيث لا يعلم ويصيب ذلك البائع فيدي ما ليس له , فيكون الكتَّاب والشهادة قاطعًا عنهما وعن ورثتهما) (69)
وكل ما سبق يبين أن القضية مثار خلاف , وأن الرؤى فيها لم تتحد , ولكل وجهة هو موليها , لكن السياق الذي وضعت فيه الآية , وهو سياق تهديد ووعيد وزجر , حيث سبقها قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281) , ولحقها قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة:284) .
هذا السياق يميل بالكفة تجاه الوجوب والفرض , حتى لو افترض جدلًا أنه إرشاد وندب ..
فالسؤال الذي يطرح نفسه:
هل إذا أرشدنا الله تعالى وندبنا إلى كتابة الدين نستحسن نحن غير ذلك؟!!!!
لقد أحسن الشافعي - رحمه الله - حين قال: إني أحب الكتاب والشهود وذكر مبررات وعللًا لا تجعل من الكتابة أمرًا مندوبًا , بل تجعله مفروضًا , وبخاصة أن هذا الندب والإرشاد جاء في تراكيب صارمة من الأمر والنهي والشرط.
فالسياق الداخلي للآية , وبناء العبارة , واصطفاء الألفاظ , يحمل من الصرامة , والشدة ما يميل بالكفة تجاه الوجوب , ولذلك أرى أن الرأي رأي الطبري؛ حيث يقول:
(الصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله عز وجل أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم , وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل., و أَمْرُ الله فرضٌ لازم إلا أن تقوم الحجة بأنه إرشاد وندب , ولا دلالة تدل على أن أمره - جل ثناؤه - باكتتاب الكتب في ذلك ندب وإرشاد.
فذلك فرض ٌعليهم لا يسعهم تضييعه , ومن ضيعه منهم كان حرجًا بتضييعه.
ولا وجه لاعتلال من اعتل بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله: (فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته) ؛ لأن ذلك إنما أذن الله به حيث لا سبيل إلى الكتاب أو إلى الكاتب؛ فأما والكتاب , والكاتب موجودان؛ فالفرض إذا كان الدين إلى أجل مسمى ما أمر الله تعالى ذكره - في قوله: (فاكتبوه) .
وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه , وحكم المنسوخ في حالٍ واحدة؛ فأما ما كان أحدهما غير نافٍ حكمَ الآخر , فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)