ولو وجب أن يكون قوله: (وإن كنتم على سفر) ناسخًا قوله: (إذا تداينتم) لوجب أن يكون قوله: (وإن كنتم مرضى) ناسخاٍ الوضوء بالماء في الحضر عند وجود الماء فيه , وفي السفر الذي فرضه الله عز وجل , لقوله (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) ,وأن يكون قوله في كفارة الظهار: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) , ناسخًا قوله: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) .
فيسأل القائل: إن قول الله عز وجل: (فإن أمن بعضكم بعضًا) ناسخٌ قوله: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) ما الفرق بينه وبين القائل في التيمم وما ذكرنا قوله , فزعم أن ثمَّ ما أبيح في حال الضرورة لعلة الضرورة ناسخ حكمه في حال الضرورة حكمه في كل أحواله , نظير قوله في أن الأمر باكتتاب كتْب الديون , والحقوق منسوخ بقوله: (وإن كنتم على سفر .. ) ؟
فإن قال: الفرق بيني وبينه أن قوله: (فإن أمن بعضكم بعضًا) كلام منقطع عن قوله: (وإن كنتم على سفر) , وقد انتهى الحكم في السفر إذا عدم فيه الكاتب بقوله: (فرهان مقبوضة) , وإنما عنى بقوله: (فإن أمن بعضكم بعضًا) (إذا تداينتم بدين) , قيل له: وما البرهان على ذلك من أصل ٍ أو قياس , وقد انقضى الحكم في الدين الذي فيه إلى الكاتب , والكتاب بقوله: (ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) ؟!!!!
وأما الذين زعموا أن قوله: (فاكتبوه) , وقوله: (ولا يأب كاتب) على وجه الندب , والإرشاد , فإنهم يُسألون البرهان على دعواهم في ذلك , ثم يُعارضون بسائر أمر الله عز وجل الذي أمر في كتابه , ويُسألون الفرق بين ما ادعوا في ذلك وأنكروه في غيره , فلم يقولوا في شيء من ذلك قولًا إلا ألزموا في الآخر مثله) (70) .
وكلام الطبري- رحمه الله - هو الأقرب إلى السياق لعدة أسباب:
منها: (أن القصد من الأمر بالكتابة التوثق للحقوق , وقطع أسباب الخصومات , وتنظيم معاملات الأمة , وإمكان الاطلاع على العقود الفاسدة , وهذا يجعل الأرجح أن الأمر للوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر , وقد تأكد بهذه المؤكدات.
وأما قوله: (فإن أمن بعضكم بعضًا) , فهي رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين , وحالة الائتمان حالة سالمة من تطرق التناكر والخصام؛ لأن الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى , فأوجب عليهم التوثق في مقامات المشاحنة؛ لئلا يتساهلوا ابتداءً , ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة , ويظهر لي أن في الوجوب نفيًا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب؛ حتى لا يعدُّ المدين هذا من سوء الظن به؛ فإنّ في القوانين معذرةً للمتعاملين أما قول ابن عطية بأن الصحيح عدم الوجوب؛ لأن للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع , فكيف يجب عليه أن يكتبه؟ وإنما هو ندب للاحتياط.
فهذا كلام قد يروج في بادئ الرأي , ولكنه مردود بأن مقام التوثق غير مقام التورع.
ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق؛ حتى لا يتساهلوا ثم يندموا , وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضًا. كما أن من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثق دائنه إذا علم أنه بأمر من الله تعالى , ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام) (71)
(إن المبدأ العام الذي يريد القرآن الكريم تقريره أن الكتابة أمر مفروض بالنص غير متروك للاختيار) (72)
ومن الأسباب أيضًا أن قوله: (فإن أمن بعضكم بعضا) لمْ تُرتَّبْ على التداين , وإنما رتبت على الرهن , وعطفت عليه بالفاء , والفاء دليل الترتيب على السابق وليس على الأسبق؛ إذ لا
دليل على نقله إلى العموم.
ومنها أيضا: أن كتابة الدين أصل في التداين حتى أثناء السفر؛ لأن الآية تقول: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا) ؛ فالأصل أن يُبحث عن كاتب , وهذا يؤكد أن قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضًا) ليس مرتبطًا بالتداين العام , وإنما هو مرتبط بعدم وجود الكاتب , وكأن المعنى ,: وإن كنتم على سفر فابحثوا عن كاتب واكتبوا الدين , فإن عُدم الكاتب لضيق الوقت فرهان مقبوضة
ومنها: أن الأمن لو كان مرتبطًا بالتداين العام لوُضع أولًا؛ إذ هو الأصل بين المسلمين , ولكان قيل: إذا تداينتم بدين وأمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته, وإلا فاكتبوا الدين ....
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)