فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9861 من 56889

والناظر في الجملة يستطيع أن يلحظ بسهولة أنها جاءت لتحديد وتخصيص نوع خاص من الكُتَّاب ليقوم بهذه المهمة , أو إن شئت فقل: لتشترط أداءً خاصًا لهذه الكتابة المأمور بها سابقًا وهي أن تكون كتابةً عادلةً ضامنةً للحقوق , مانعة من التحايل؛ ذلك لأن الأمر كما قال الطيبي:"خطير", ولذلك جاز تعلق الجار والمجرور"بالعدل"بكلٍ من الفعل والفاعل , أعني: يجوز تعلقه بالفعل

"يكتب", ويجوز تعلقه بالفاعل"كاتب".

فإذا قدرنا تعلقه بالفعل"يكتب"يكون المعنى المدمج هو: وليكتب بينكم كاتب كتابة عادلة , تكون محل ثقة من أهل الاختصاص عند التنازع؛ بحيث تخلو من الثغرات التي تمكن أحدهما من المراوغة , أو الانفكاك مما في ذمته؛ فالعدل هنا ناتج عن موافقة الكتابة للشروط الواجب توافرها لضمان الحقوق؛ فهي صفة للكتابة.

وقد يكون الجار والمجرور متعلقًا بالفاعل"كاتب"فيكون المعنى المدمج هو: وليكتب بينكم كاتب مشهور بالفقه والعدل وعدم الميل إلى هذا أو ذاك , وهذا يعرف من خلال كتاباته السابقة بين الناس؛"فالأصل ألا يكتب الوثيقة إلا العدل في نفسه , وقد يكتبها الصبي والعبد ... إذا أقاموا فقهها , أما المنتصبون لكتبها؛ فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولًا مرضيين , قال مالك -رحمه الله تعالى:"لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها , عدلٌ في نفسه , مأمون؛ لقوله تعالى:"وليكتب بينكم كاتب بالعدل".

وعلى هذا فالجار والمجرور في موضع الصفة للكاتب") (77) "

"ففقه الكاتب , ومعرفته بأنواع الوثائق معنى مدمج في الجملة، مقصود منها في النهاية."

أما الأمر في الجملة فمتوجه إلى المتداينين , والسر في ذلك:"المبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب" (78)

ولا أرى أن الأمر هنا للكاتب لأنه ليس منوطًا بالحكم , كما أنه إما أن يكون أجيرًا أو متفضلًا , وفي كلتا الحالتين لا يمكن أمره وإرغامه على الكتابة , لكن الأقرب إلى الفهم هو توجيه الأمر إلى المتداينين أن يبحثا عن كاتب فقيه عدل ليقوم بكتابة الدين , وهذا ما جعل الألوسي - رحمه الله - يقول:"والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية , بكتابة عدلٍ , فقيهٍ , ديِّن؛ حتى يكون ما يكتبه موثقوقًا به , متفقًا عليه بين أهل العلم" (79)

وهو لا يعني هنا الكناية الاصطلاحية , وإنما أراد - كما أفهم - مخاطبة الكاتب وأمره بالكتابة عن طريق المتداينين.

ومن بلاغة ذلك إشعار الكاتب بأهمية الأمر , حتى يرفع الحرج عن المتداينين , ويلبي دعوتهما , ويكتب؛ لأن رفضه قد يوقعهما في الحرج , لكنه على جميع الأحوال في حل من الأمر , وإن كان الأولى تلبية الطلب؛ إذ ليس كل من كتب صالحًا لهذه المهمة؛ لأن الجملة جاءت لتحديد الفقيه , وهذا بلا شك قيد آخر من القيود التي تكاد تعرقل إتمام مثل هذه المعاملات , وهو أمر مقصود , فوضع العقبات في هذا النوع من التعامل قُصد به التضييق عليه؛ حتى لا يشيع , لما يترتب عليه من أضرار عند التساهل في ضوابطه.

ولقد جمعت الواو بين جملة"فاكتبوه"وجملة"وليكتب بينك كاتب بالعدل"؛ لأنهما من باب التوسط بين الكمالين؛ فكل منهما أمر لفظًا ومعنى , وهذا الربط بالواو يشير إلى أن كل جملة من الجملتين تمثل خيطا من خيوط هذا النسيج الواحد , وهي خيوط متشابهة , متشاكلة ترسم في النهاية صورة وغرضًا واحدا تتشابك ملامحه , وتتعانق جوانبه.

وأخرت جملة"وليكتب بينكم"عن جملة"فاكتبوه"؛ لأنه لم يكن ثمة هاجس في تحديد الكاتب , إنما الهاجس الذي النفوس , ولا يزال هو:

هل نكتب الدين أم لا؟

وهل إذا أمن بعضنا بعضًا في الحضر يكتب أيضًا أم لا؟

هذا هو ما يشغل النفوس , ولا يزال يتردد في الأفئدة حتى صار محل خلاف؛ لذا , كان تقديمه والتنصيص عليه أولًا قبل تعيين الكاتب.

وإن كنتُ أرى أن تعيين الكاتب ما هو إلا تأكيد للكتابة وفرضيتها , ولو كان الأمر في"فاكتبوه"للإرشاد لتُرك تعيين الكاتب للمتعاقدين ليختاروا مَن يرونه مناسبًا؛ إذ كيف يكون الأمر للإرشاد ثم يؤمرون بتعيين كاتب فقيه عدل؟

وفي حذف المفعول من الجملة شمول وإحاطة لكل ما يتعلق بالدين من قيمة , وموعد سداد ..

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت