وفي ذكر المفعول تضييق على هذه المعاني , وضياع لكثير من الضوابط , وفتح باب الخلاف في المقصود من الدين , هل هو قيمته أم ماذا؟
فالحذف هنا وسّع المعنى , وتساوق مع الروح المهيمنة على الآية الداعية إلى أخذ كافة الضمانات.
وفي الوقت الذي حذف فيه المفعول من جملة"وليكتب بينكم كاتب"نجد في الجملة قيدًا مذكورًا , وهو:"بينكم", وجيء به"حتى لا ينفرد بالكاتب أحد المتعاملين , دفعًا للتهمة" (80) , ويقول الألوسي في علته: " إنما قال"بينكم"ولم يقل " أحدكم"؛ لأنه لما كان الذي له الدين يتهم في الكتابة الذي عليه الدين , وكذلك بالعكس شرع الله كاتبًا غيرهما يكتب بالعدل , لا يكون في قلبه , ولا قلمه موادّة لأحدهما على حساب الأخر .." (81)
كما أن في هذا اللفظ"بينكم"ما يشير إلى اجتماع الأطراف: الدائن والمدين , وكذلك الشهود؛ولو
اقتصر الاجتماع على الدائن والمدين والكاتب لقيل: وليكتب بينكما , لكن في صيغة الجمع ما يفيد حضور جميع الأطراف حتى الشهود , وفي ذلك إبلاغ في التوثيق والحيطة.
وفي مجيء لفظ"كاتب"نكرةً , ثم تعريفه بالصفة , وهي شبه الجملة"بالعدل"قصد إلى المعنيين؛ أعني: النكرة والمعرفة المخصوصة , فمجيء لفظ"كاتب"نكرة قصد به عدم تحديد كاتب بعينه , أو باسمه , أو بقرابته , وهذا قد يُفهم إن عرِّف اللفظ بغير الصفة؛ كأن يقال " وليكتب بينك كاتبكم , أو كاتب المسلمين , أو الكاتب , أو نحو ذلك؛ فمجيء اللفظ - في ذاته - نكرة قُصد به البحث عن الوصف , وليس عن الشخص؛ ولذلك جاء بعد اللفظ النكرة تعريف لها بالوصف , وهو قوله:"بالعدل"."
وفي هذا الوصف مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن المقصود هنا:"وليكتب بينكم كاتب فقيه , عالم بضوابط العقود , وهذا الفقه - بلا شك - سبب في حدوث العدل بين المتداينين."
لكن يبقى السؤال:
لمَ عبّر بالمسبب عن السبب؟
الذي أراه أن وجه ذلك هو أن الفقه وسيلة للوصول إلى العدل , والعدل غاية , ولما كان الفقه لا يقتصر على معرفة الضوابط الشرعية , بل يشمل معرفة الزمان والمكان والأحوال , وكل ما يوصل إلى العدل عبر بـ"العدل"ليراعي الكاتب كل ذلك , وهذا إيجاز بديع يلفت النظر إلى الغاية من الكتابة , وهي ضمان الحقوق , فيدفع الكاتب إلى الأخذ بها ما دامت في إطار الشرع.
أوجه البيان في قوله تعالى:
"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"
وهذا حكم جديد متوجه إلى الكاتب , وليس إلى المتداينين , وحمله البعض على الوجوب والفريضة: فرضية عين على الوجوب, وآخرون على أنه فرض عين إذا لم يكن في البلدة غيره , فإذا كان فهو واجب على الكفاية , وحمله البعض على الوجوب حال فراغه. (82)
والسؤال الذي يلح على العقل هنا هو:
ما وجه توجيه النهي إلى الكاتب , وإشراكه في زمرة المتعاملين؟
إن الجملة تجعل الكاتب فردًا من أفراد هذه المعاملة , حيث تشرط عليه , وتلزمه , وتأمره بالكتابة الحقّة , والكاتب في الواقع أجير يُستدعى لكتابة جميع المعاملات التي يُطلب فيها التوثق بالكتابة والإشهاد , ولا أرى أن هناك خلافًا في أخذ الأجر؛ لأن الكتابة عمل وحرفة يجوز أخذ الأجرة عليها , وهذا ما نص عليه القرطبي؛ حيث يقول:"لو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار بها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة , ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة" (83)
وكلام العلماء في الوجوب والندب والإرشاد بعيد - كما أرى - عن سياق الآية؛ لأن المطلوب من الكاتب ليس الكتابة العامة , وإنما كتابة خاصة , موصوفة بقوله:"كما علمه الله", وعلى هذا فالنهي ليس متوجهًا إلى عموم الكتابة , وإنما النهي متوجه إلى هذا القيد؛ فالكاتب ليس منهيًا عن الإباء عمومًا , ولكن النهي توجه إليه عند كتابته , ومباشرته الفعل؛ بمعنى: أن الكاتب إذا أخذ في الكتابة قيل له: لا تأب أن تكتب كما علمك الله؛ لأن الخطر ليس متوقَعًا إن أبى الكاتب مباشرة الكتابة , بل العكس هو الصحيح؛ لأنه سيوقف هذه المعاملة , ويرد المال إلى صاحبه , ويعيد السلعة إلى صاحبها , ولكن الخطر يُتوقع إن كتب الكاتب كتابةً تضيع معها الحقوق , تلك هي الخطورة , وهو ما حذرت منه الآية فنهت الكاتب - ليس الإباء عن الكتابة - بل عن عدم الكتابة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)