فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9863 من 56889

الحقّة الموصوفة بقوله:"كما علمه الله", وفرق كبير بين الأمرين.

ولعل أفعال الكثير من المحامين , وهم الذين يكتبون العقود في زماننًا غالبًا , لعل أفعال الكثير منهم في بنود تلك العقود , وتغيير بعض الصيغ في العقد , وإضافة أو حذف بعض الكلمات مما يفوت الفرصة على صاحب الحق عند مطالبته بحقه , لعل كل ذلك يشرح لنا المقصود من النهي.

وكم من حقوق ضاعت بسبب هذه الثغرات التي تضمنتها تلك العقود؛ لذا أدخلت الآية الكاتب في

زمرة هذه المجموعة _ مجموعة الدين _ حيث ناله قسط وفير من الزجر والتهديد؛ لتوقُّف ثبوت أو ضياع الحقوق على كتابته ,

أدخلته لأن عليه عبئًا كبيرًا مادام قد رضي الكتابة.

وعليه؛ فالأمر المفهوم من قوله:"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا وهو أنه فرض عين؛ لأن ضد ذلك يعني أنه خان الأمانة , وكتب ليس كما علمه الله , وتلك جريمة تضيع بسببها الحقوق , ويشيع بسببها الفساد.

وقد توجه النهي إلى صيغة الغائب"لا يأب", والأصل في النهي أن يكون لمخاطب , لكن لما كان الكاتب حاضرًا في السياق من خلال قوله تعالى:"فاكتبوه", وقوله تعالى"وليكتب بينكم كاتب"صح أن يُسند النهي إليه بعد حضوره البارز من قبل.

الصورة التشبيهية في هذه الجملة:

يرى بعض العلماء أن الكاف هنا للتعليل , ويقول:"كما علمه الله"؛ أي: لأجل ما علمه الله تعالى من كتابة الوثائق , وتفضل به عليه , وهو متعلق بـ

"يكتب", والكلام على حد قوله:"وأحسن كما أحسن الله إليك", أي: لا يأب أن يتفضل على الناس بكتابته , لأجل أن الله تعالى تفضل عليه وميَّزه" (84) ."

"والقول بدلالة الكاف عمومًا على التعليل قليل عند النحاة وقيده جماعة بأن تكون الكاف مكفوفة بـ"ما"نحو: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) (البقرة:151) "

ونحو: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) (البقرة:198)

وهؤلاء لم يقولوا بأنها للتعليل في -كما علمه الله: لأن"ما"مصدرية (85)

والذي أميل إليه: أن الكاف هنا ليست للتعليل , حتى وإن توقف ما قبلها على وجود ما بعدها؛ لأن السياق ليس سياق منٍّ وتفضُّل على الكاتب , بل سياق أمر ونهي , بأن يكتب كتابةً موثقة ضامنة للحقوق , خالية من الثغرات؛ فالأولى في هذا السياق تذكيره بهذه الضوابط , وتلك الشروط التي تعلَّمها؛ حتى يجعلها في ذهنه عند الكتابة , ثم يجعل ما يكتبه مطابقًا ومشابهًا لما تعلمه.

وعلى هذا , ففي الجملة تشبيه , وهذه أركانه:

المشبه: الكتابة المأمور بها.

المشبه به: الكتابة التي علمه الله إياها.

والأداة: الكاف.

ووجه الشبه: الدقة والعدل , وذكرُ اسم الذي عليه الحق دون غيره , وتحديدُ قيمة الدين , وموعد أخذه ومكانه وزمانه , ثم تحديد صاحب الحق , وموعد السداد , وزمانه ومكانه , وغير ذلك مما تعلمه من أمور تحفظ الحقوق لأصحابها.

وجمال هذه الصورة ينبع من عدة أشياء:

منها: التذكير بنعمة الله تعالى على الكاتب؛ حيث جعل ذلك جزءًا من الصورة , ومن

خطوطها الأساسية , ليكون ذلك دافعًا له , ومحرضًا , وحاجزًا عن الميل إلى شهوات

الدنيا , بالميل إلى طرف على حساب طرفٍ آخر.

ومنها:الإشارة إلى الدقة العالية , والالتزام الشديد بضوابط الكتابة؛ لأنها منسوبة إلى الله تعالى

(كما علمه الله) .

ومنها: حثُّ الكاتب على إخراج هذه الوثيقة في أبهى صورة؛ لأن الله تعالى كتب الإحسان

على كل شيء.

ومنها: الترهيب من مخالفة الأصول , والقواعد الضابطة للحقوق , وذلك من خلال استعمال

اسم (الله) تعالى , الباعث على الرهبة؛ ولذلك لم يقل: كما علمه ربه.

ومنها: الإشارة إلى أن ضبط هذه المعاملات لا يكون إلا بما شرعه الله تعالى وحدده , وأن

العدول عما أنزله الله تعالى يحمل الفساد , والإفساد للبشرية جميعًا.

كما أن من خيوط هذه الصورة التشبيهية تنكير كلمة"كاتب"لتعميم الحكم على كل

من تصدى لهذا الأمر , حتى وإن دان بغير الإسلام.

يقول أبو حيان:"و - كاتب - نكرة في سياق النهي فتعمّ (86) "

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت