كما أن في اصطفاء هذا اللفظ [كاتب] تذكيرًا للكاتب بأن منفعته , وسمعته , ومصداقيته في هذا العمل مرتبط بالعدل , والإنصاف؛ ولذلك لم يقل: ولا يأب مؤمن , أو مسلم , وإنما قال: كاتب , وكأنه معروف بين الناس بمهنته , فإذا جار أو ظلم , أو مال إلى واحدٍ دون الآخر , فإن مهنته سوف تكون محل تهمة من الناس , فلن يكون كاتبًا , بل سيصبح مخادعًا , وسيشتهر بين الناس بقلة ضبطه , أو فساد عمله؛ فكأن كلمة [كاتب] تحذير له بأن مهنته وعمله , ودوام ذلك مرهون بعدله , وضبطه للكتابة , وهذا واضح.
أما اصطفاء المصدر المؤول _ ولا يأب كاتب أن يكتب _ دون الصريح , -كتابته - فلأن الكاتب يراعِي مقام كل حالة , ويعرف الشروط الضابطة لكل نوع , ولمَّا كانت أنواع المداينات ذات
أوصاف مختلفة كان الإلمام بكل حالة , وضوابطها على حدة من لزوميات الكاتب , وهذا يتواءم مع المصدر المؤول الدال على التغير , والتجدد والحدوث ,وكل ذلك مفهوم من المضارع"يكتب", أما لو قيل: ولا يأب كاتب كتابة ما علمه الله , لظُنّ أن هناك صيغة واحدة لجميع العقود , ولَحفظها الجميع , ولاستُغني عن الكاتب , وهذا بعيد.
إذ إن لكل نوع ما يناسبه من صيغ , كما أن لكل حالة ما يتوافق معها من شروط , وضوابط , وأحوال تخالف غيرها.
ومع أن الفعل _ يكتب _ متعدّ إلا أن مفعوله حذف لدلالة السياق عليه.
وختام الجملة يحمل من التفضّل والتشريف للكاتب الكثير؛ ذاك لأن الجملة جعلت عملية التعليم مباشرة من الله تعالى , فهو كالأنبياء من حيث دوره في الإصلاح , فإذا كان الأنبياء يصلحون عقائد الناس وعبادتهم , فإن الكُتّاب يصلحون أنواع المعاملات بين الناس , والتي قد ينشأ عنها خلاف أو نزاع.
أضف إلى ذلك: أن اسم الله تعالى في قوله:"كما علمه الله"يحمل من الرهبة والزجر ما يجعل الكاتب يلتزم , كما أنها تشير إلى أن العدول عن هذه الضوابط إساءة إلى هذا العلم , ومن بعد ذلك إساءة إلى المعلم - سبحانه وتعالى -.
وبعد ُ:
فإن هذه الجملة تسير في الطريق نفسه الذي بدأ بوضع القيود , والعوائق أمام هذا النوع من المعاملات , حتى لا يلجأ إليها إلا المضطرون , لما يترتب عليه من حرج , ومن خلاف متوقع بين الناس , فلا توجد نفس سوية تحب أن يكون لها أو عليها حق لأحد , وبخاصة الحقوق المالية , لذلك كثرت الأوامر والنواهي والشروط المعرقلة لهذه المعاملات , ليكون سبيلها سبيلًا حَزَنًَا ينبغي ويحسُن تجنبه , وهذا هو الأقرب إلى الفهم.
الكناية في جملة"كما علمه الله"
إن جملة - كما علمه الله - تعني أن"يكتب ما يعتقده , ولا يحجب , ولا يواري؛ لأن الله تعالى ماعلَّم إلا الحق , وهو المستقرّ في فطرة الإنسان , وإنما ينصرف الناس عنه بالهوى , فيبدلون , ويغيرون , وليس ذلك التبديل بالذي علمهم الله تعالى , وهذا يشير إليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"استفت نفسك , وإن أفتاك الناس" (87) "
وهذا يفيد أن جملة"كما علمه الله"جملة كنائية , فهي كناية عن موصوف , وهو الحق الذي ودعه الله تعالى في فطرة كل إنسان , لكنه عبّر عن هذا الحق بتاليه , ورادفه , وهو: ما علمه الله؛ لأن الله تعالى حين خلق الحق أودعه في نفوس البشر؛ ليكون مرجعًا , وملاذًا يلوذ به الناس حين تختلط المعايير.
ودمج الصورة التشبيهية بالصورة الكنائية تشعر الكاتب بفضل الله تعالى عليه , ورفع قدره بهذا العلم الذي لا يجيده كل أحد؛ مما يستوجب عليه شكر هذه النعمة بإعطاء الحقوق والمواثيق كل العناية؛ حتى تخرج في صورةٍ يرضى عنها الله تعالى.
اجتماع الأمر والنهي على الكتابة
جاء بعد قوله تعالى:"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"قوله تعالى:"فليكتب".
وفي المصحف الشريف وضعت علامة الوقف الجائز دون ترجيح , بعد قوله"كما علمه الله"
وهي (ج)
والنظم يحتمل صورةً أخرى , وأداءً آخر , ويكون بقراءة الجملتين هكذا:
ولا يأب كاتب أن يكتب , كما علمه الله فليكتب
ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله , فليكتب.
ففي الصورة الأولى: الجملتان محمولتان على شبه كمال الاتصال , فلما قيل: ولا يأب كاتب أن يكتب.
قيل: كيف؟
فأجيب: كما علمه الله فليكتب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)