و الصورة الثانية تشير إلى أن جملة"فليكتب"تفريع لتوكيد الأمر المفهوم من قوله"ولا يأب كاتب .. ."
والمعنى العام لا يرفض أيًا من الصورتين , لكن الذي يلفت الانتباه أن جملة"كما علمه الله"وقعت واسطة بين الأمر , والنهي , ولنرجع النظر مرة أخرى:
ولا يأب كاتب أن يكتب"كما علمه الله"فليكتب؛ فالأمر والنهي متعلقان بجملة التشبيه؛ إذ هي محط النظر , ولب القصد , والغاية من الأمر والنهي.
فالكاتب مأمور بالكتابة , ليست أي كتابة , بل مأمور بالكتابة كما علمه الله.
والكاتب منهي عن الإباء عن الكتابة , ليست أي كتابة , بل هو منهيٌ عن عدم الكتابة التي علمه الله إياها.
وهذا يعني: أن الجملتين _ جملة الأمر وجملة النهي _ تتوجهان إلى شيء واحد , وهو إلزام الكاتب بنوع خاص من الكتابة , وموصوف بأنه على وفق ما أنزله الله وبينه.
ويبقى سؤال هنا , وهو: لم تقدم النهي على الأمر؟
والذي يظهر لي أن"النهي عن الشيء أقوى في الدعوة إلى الاعتصام منه , وإلى مجانبته , من الأمر بنقيضه (88) ."
ولذلك جاء في الحديث:
"إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه , وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (89)
والقاعدة الأصولية تقول:
"إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"
, فلما كان الضرر الواقع من الكتابة الباطلة ضررًا بالغًا نُهِىَ عنه أولًا , كما أن تقديم النهي آنس بالسياق المفعم بالقيود , والعراقيل الزاجرة عن التساهل في توثيق تلك العقود.
التفريع في قوله تعالى:"فليكتب"
"وهذا التفريع تأكيد للأمر , وتأكيد للنهي أيضًا؛ وإنما أعيد ليرتب عليه قوله:"وليملل الذي عليه الحق"؛ لبعد الأمر الأول عما وَليَه , ومثله قوله تعالى:"اتخذوه وكانوا ظالمين"بعد قوله تعالى"واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم" (الأعراف 148) . (90) "
والتفريع عند البلاغيين"أن يُثبت حكم لمتعلق أمر بعد إثباته لمتعلق آخر؛ كقول الكميت:"
أحلامكم لسنام الجهل شافية كما دماؤكم تشفي من الكلِب
فرّع من وصفهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهل وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلِب ...
والحاصل أن المراد بتفرع الثاني على الأول كونه ناشئًا ذكره عن ذكر الأول؛ حيث جعل الأول وسيلة للثاني؛ أي كالتقدمة , والتوطئة له؛ حتى أن الثاني في قصد المتكلم لا يستقل عن ذكر الأول ," (91) ."
وهذا التفريع - يحمل إيحاءً بتشعب دروب الدين , وكثرة التبعات فيه , ووحشة الطرق المؤدية إليه مما يؤدي إلى تنفير الناس منه.
لكن التفريع هنا - كما أرى - ليس على جملة:"ولا يأب كاتب", بل على قوله:"فاكتبوه"؛ حيث فرَّع عن الأمر العام بالكتابة أمرًا آخر خاصًا للكاتب بأن يتحرى الكتابة الشرعية التي يعتقدها
أما ذكر قوله:"فليكتب"بعد قوله:"ولا يأب كاتبي", فهو ضرب من التأكيد اللفظي لمضمون النهي , فمضمون النهي هو"فليكتب"... ثم قيل صراحة"فليكتب", وهذا يعني أن أمر الكاتب بالكتابة ذكر مرتين: مرةً في جوف النهي , حين قيل:"ولا يأب كاتب أن يكتب", ومرة صريحا ً في قوله:"فليكتب".
وهذا التلوين والتنوع - في أداء المعنى وترسيخه يوضح مدى أهميتة, مما حدا بهم إلى أن قالوا: إن الأمر للوجوب"ولا ينبغي أن يعدل عن الوجوب "
ويلحق بالتداين جميع التعاملات التي يطلب فيها التوثق بالكتابة والإشهاد" (92) "
أثر السياق في دلالة قوله تعالى:"وليملل الذي عليه الحق"
على القصر
إن جملة"وليملل الذي عليه الحق"نوع ثالث من الخطاب بعد النوعين السابقين:
فالخطاب الأول: متوجه إلى الأمة عامة؛ فقيل لها:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه".والخطاب الثاني: متوجه إلى الكاتب خاصة؛ لما له من دور بارز في حفظ الحقوق , فقيل له:
"يكتب كما علمه الله".
والخطاب الثالث: توجه إلى آخذ الدين , أو الذي عليه الحق.
والأنواع الثلاثة جاءت بصيغة الأمر لأن المنظومة واحدة , والسياق واحد , والغاية المنشودة من الآية غاية واحدة , ومسؤولية الأطراف الثلاثة في حفظ هذه الأموال على درجة واحدة , ومن أجل كل ذلك عم الأمر كل الأطراف.
والسبب في أن الذي عليه الحق هو المعنيُ بإملاء الدين:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)