أن الغبن قد يقع عليه لو أملى الدائن فزاد في الدين أو قرب الأجل, أو ذكر شروطا ً معينةً في مصلحته , وبخاصةٍ أن المدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة؛ رغبة في إتمام الصفقة لحاجته إليها , فيقع عليه الغبن.
فإذا كان المدين هو الذي يُملي , لم يملِ إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر , ثم ليكون إقراره بالدين أقوى , وأثبت , فهو الذي يُملي. (93)
وقد علّق الألوسي على هذه الجملة فقال:"لابد أن يكون هو المُقِر لا غيره" (94) .
ثم قال:"وانفهام الحصر من تعلق الحكم بالوصف؛ فإن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعليّة , والأصل عدم علة أخرى" (95) .
ولا شك أن قوله:"لا بد أن يكون هو المقر لا غيره"يشير إلى أن الأسلوب أسلوب قصر , لكن طريقه غير اصطلاحي؛ فللقصر طرقه الاصطلاحية التي ارتضاها أهل هذا الفن , وليس من بينها تعليق الحكم بالوصف؛ أعني: تعليق قوله:"وليملل"بقوله:"الذي عليه الحق".
وهذا الفهم ناشئ من وجود عدة أطراف في عملية التداين , وهم:
الذي عليه الحق.
والذي له الحق.
والكاتب.
والشاهدان.
وهذه الأطراف لا بد أن تجتمع عند الكتابة ليتحقق الأمر كما يقتضيه النص القرآني , وعند هذا الاجتماع تأتي جملة"وليملل الذي عليه الحق"؛ لتحدد واحدًا بعينه ليقوم بالإملال , وهو الذي عليه الحق.
وهذا التعيين والتحديد مع وجود كل هذا العدد مشعر بقصر الإملال عليه دون غيره.
وهذا , وإن لم يكن منصوصًا عليه لفظًا لكنه مفهوم من النظم , وإيحاءات المعنى؛ لأن"مفهوم القصر يقوم على أمرين لا كيان له بغيرهما:"
1 -تخصيص شيء بشيء.
2 -أن يكون التخصيص بطريق معهود.
فليس كل تخصيص داخلًا في القصر , وإنما المراد هنا تخصيصٌ ذو سمات محددة.
* أن يكون جامعًا بين إثبات ونفي.
· أن يكون جمعها في جملة واحدة.
· أن يكون القصد الأول إلى الإثبات , والنفي تأكيد للإثبات.
· ذلك التخصيص ذو السمات الآنفة لا يعتد به البلاغيون إلا إذا انداح في تضاعيف تراكيب معينة سميت بطرق القصر.
والكلام في تحقيق أنواع الحصر محرر في علم البيان , وله صور كثيرة تزيد على خمس عشرة نوعًا (96) ,وليس منها تعليق الحكم بالوصف وهذا يفيد أن معنى الحصر في الجملة مفهوم من السياق , وليس مدلولًا عليه باللفظ؛ فدلالته غير اصطلاحية , وهذا كثير في لغة العرب.
وجه البلاغة في تعريف الدَّين بجملة الصلة
أعني: ما الفرق بين أن يقال"وليملل المدين"وأن يقال:"وليملل الذي عليه الحق.؟"
الذي يبدو أن كلمة"المدين"لن تفيد معنى جديدًا في هذا السياق لكن لما أريد التأكيد على المدين بأن يعترف بما عليه أمام الشهود , والكاتب , ولما أريد تذكيره بأن ما أخذه ليس حقه , بل هو حق الدائن , والحقوق لابد أن ترجع إلى أصحابها , عرّف المدين بجملة الصلة؛ كي تجمع كل هذه المعاني في وسيلة واحدة للتعريف.
يقول الإمام عبد القاهر:"إن اسم الموصول (الذي) اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل , وإنما اجتلب حتى إذا كان قد عرف رجل بقصة , وأمرٍ جَرَى له , فتخصص بتلك القصة , وبذلك الأمر عند السامع , ثم أريد القصد إليه ذكر (الذي) (97) ."
وكأن من مقاصد جملة الصلة هنا إشهار المدين , وتعريفه للناس بأنه (الذي عليه الحق) .
أترى إلى أي مدى يكون هذا مؤثرًا في المدين بين الناس؟
حيث يشتهر بهذا الوصف العجيب , وكأنه لا يعرف باسمه , ولكن يعرف بأنه (الذي عليه الحق) , وفي ذلك ما فيه من التنفير لهذا النوع من المعاملات.
كما أن في اصطفاء اسم (الحق) تذكيرًا للجميع , وعلى رأسهم المدين بوجوب عودته إلى صاحبه , ووجوب إحقاقه , والحرص على عدم تضييعه.
كما أنه متوجه أيضًا إلى الدائن؛ طمأنة له , وتسكينًا لفؤاده من أن ماله لن يضيع.
كما أنه متوجه إلى الشاهدَين , بأن ما يشهدان عليه ليس إلا الحق , فعليهما الإقدام , وعدم التخاذل , كما أن عليهما الشهادة الصادقة التي تحفظ الحقوق.
كما أنه متوجه إلى الكاتب بأن ما سيكتبه ليس إلا الحق؛ فلا ينبغي أن يحيد عنه , وإلا فقد ضيعه؛ فالكلمة جرس إنذار للجميع؛ (ويحق الله الحق بكلماته) .
البناء التركيبي لجملتي:"وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)