فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9868 من 56889

للاستثناء أدوات كثيرة , منها: [إلا , وغير , وسوى] , وقد يستثنى بجملة الشرط , كما هو حال الجملة هنا؛ ولذلك لما قيل:"وليملل الذي عليه الحق", تبين أن هذا الحق قد يكون على أناس لا يستطيعون القيام بعملية الإعلام , وهم: السفيه , والضعيف , ومن به سبب عارض يمنعه من الكتابة , فاستُثنوا - ليس من الكتابة - وإنما من الإملال؛ إذ الكتابة واجبة على الجميع , ولعل إدخال هؤلاء في دائرة الكتابة يزيد من معنى الوجوب الذي مال البحث إليه.

إلا أن الاستثناء هنا سلك طريق الشرط؛ وذلك لأن الشرط في الأصل قيدٌ , والقيود والعقبات تتواءم مع سياق الآية , الذي يسير في فلك التشديد والتضييق.

ولكن: إذا كانت الديون تنشأ من قرض , أو بيع , أو شراء بأجل , وهؤلاء لايمكن لهم مباشرة هذه المعاملات بأنفسهم , فكيف يقع عليهم دين ثم يكتب عنهم وليُّه؟!

ولعل أولياءهم هم الذين يبيعون لهم بأجل , أو يشترون بأجل , أو يقترضون لهم , أو أن لبعضهم رخصة من ولي الأمر , بأن يبيع أو يشتري , كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لمنقذ بن عمرو , حيث قال يا رسول الله إني لا أصبر على البيع , فقال له صلى الله عليه وسلم: قل: لا خلابة""

(100) أي: لا خداع.

ترتيب الأصناف الثلاثة:

الوقوف أمام بلاغة ترتيب هذه الأصناف الثلاثة يأتي بعد معرفة المقصود بكل صنف ,"فالسفيه: من السفه ,"والسين , والفاء , والهاء , أصل واحد يدل على خفة , وسخافة , وهو قياس مضطرد , فالسفه ضد الحلم" (101) "

ولذلك قيل:"السفيه هو: الجاهل بالصواب في الذي عليه أن يُمله على الكاتب , أو هو الجاهل بالإملاء , والأمور .... ويدخل في ذلك كل جاهل بصواب ما يُمل , من صغير وكبير , وذكر وأنثى."

وقيل إن السفيه: هو مختل العقل ...

والضعيف هو: الصغير؛ لقوله تعالى"وله ذرية ضعفاء" (البقرة 266) ,

أما الذي لا يستطيع أن يمل: فهو العاجز , كمن به بكم , وعمى , وصمم جميعًا ..." (102) "

ومما سبق يتضح وجه الترتيب بين هذه الأصناف؛ فأشد الناس حاجة إلى وليّ ليقوم عنه بالإملاء هو السفيه؛ لأنه مختل العقل , لا يُحكم الأشياء.

ثم يأتي الضعيف , وهو الذي يملك قوة لكنها ضعيفة؛ إما لصغر سن , أو لكبر سن , أو لقلة تجربة في الحياة , وهذا يلي السفيه في حاجته إلى من يملي عنه ,.

أما الأخير فهو:"الذي لا يستطيع أن يُمل هو ..."؛ ويقصد به الذي لا يملك الصيغة المثلى , أو الأسلوب الأمثل في العقود , مع امتلاكه لمقومات العقل والقوة.

فترتيب هذه الأصناف ترتيب أولوية في حاجة كل صنف إلى من يقوم عنه بالإملاء؛ فالسفيه أشدهم احتياجًا , ثم الضعيف , ثم الذي لا يستطيع الإملاء.

وقد صيغ الصنف الأخير في جملة فعلية , مع أن الصنفين الأولين جاءا في صورة الاسم -"السفيه , والضعيف", أما الأخير فقيل:"أو لا يستطيع أن يمل هو", وكان يمكن أن يقال:"أو غير مستطيع".

ووجه ذلك , الإشارة إلى أن عدم استطاعته ليست على الدوام؛ لأنها عارضة , وطارئة , فلما كانت غير ثابتة , عُدل بها عن الاسم إلى الفعل.

أما الضمير"هو"في قوله:"أن يمل هو", فإنه"توكيد للضمير المستتر في"أن يمل " , وفائدة التوكيد به: رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير , فيقال: أو لا يستطيع أن يمل؛ فالضمير"هو"أفاد التنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه " (103) .

وجاء الفعل هنا"يُمل"بإدغام اللام في اللام , في حين أنه جاء قبل ذلك مفكوك الإدغام , في قوله تعالى:"وليملل الذي عليه الحق , وجاء أيضًا بعد ذلك مفكوك الإدغام , في قوله:"فليملل وليه بالعدل", فما الحكمة في ذلك؟"

لابد أولًا أن أشير إلى أن الإدغام والفك لهجتان فصيحتان للعرب؛ فالحجازيون لهجتهم الفك , والتميميون لهجتهم الإدغام.

وهذا لا يكفي لمعرفة وجه اصطفاء الإدغام في قوله:"أو لا يستطيع أن يملّ هو", واصطفاء الفك في الباقي.

وبالنظر يتضح أن الإدغام جاء مع الإنسان العاجز عن الإملاء , وهو الذي لا يستطيع الإملاء , كأن في لسانه حُبسة , أو نحو ذلك , وهو لا يستطيع التوضيح والتفصيل؛ ولذلك استخدم معه"يُملّ"بالإدغام؛ ليرسم صورةً له؛ حيث تتداخل ألفاظه , أو تنبهم معانيه؛ ولذلك يوكل عنه من يقوم بالإملاء.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت