أما الآخران اللذان يستطيعان الإملاء ويباشران ذلك بأنفسهما فجاء الفعل معهما مفكوكًا ليصور قدرتهما على التوضيح والبيان.
وعلى هذا: كانت كل صورة من صور الفعل متناغية مع حالة المتكلم , وهذا توافق عجيب معجز , بين الفعل وفاعله.
فإن كان الفاعل فصيحًا , صريحًا يؤتى معه بالفعل صريحًا , وإن كان الفاعل في لسانه , أو عقله خلل من: احتباس , أو همهمة , أو غمغمة , أو سوء فهم , أو نحو ذلك , يؤتى معه بالفعل المدغم.
أثر التكرار في بناء جملة:"فليملل وليه بالعدل:"
وهذه الجملة هي جواب الشرط السابق؛ أعني قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا , أو ضعيفًا , أو لا يستطيع أن يُملّ هو".
والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الشرط هو التخفيف عنهم؛ بأن يقال مثلًا: فلا حرج عليهم ألا يكتبوا .... أو نحو ذلك.
لكن جواب الشرط جاء بالإملال , وبصيغة المضارع المقترن بلام الأمر , وهي ألزم وأشد في الوجوب , وهذا يشير إلى أن وجوب الكتابة ليس مقصورًا على أحد دون أحد فلا تسامح في هذا الأمر , حتى وإن كان الذي عليه الحق سفيهًا , أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل.
وهذه الفاء هي الواقعة في جواب الشرط؛ لأنه فعل أمر , والمجيء بالمضارع المقترن بلام الأمر يدل على أن الوجوب الكامن في الإملال الأول على الذي عليه الحق لم يُنقض , ولم يتسامح فيه , بل هو ما عليه من الإلزام , والفرضية.
ويلحظ هنا تكرار لفظ الإملال؛ حيث ذكر ثلاث مرات , وكأنه ركن من أركان العقد؛ لما فيه من رفع الصوت , وسماع الجميع لقيمة الدين , وموعد سداده , فالأمر أمر إعلان , وإشاعة لمن له الحق , ومن عليه الحق , ليعلم الناسُ ذلك , وفي هذا ما فيه من إشراك للمجتمع في الشهادة؛ ليكون ألزم للمدين بالسداد.
واللفظ الآخر في هذه الجملة هو"بالعدل"؛ حيث ذكر قبل ذلك في قوله:"وليكتب بينكم كاتب بالعدل".
وليس العدل هنا أو هناك بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد؛ فيقال:"رجل عدل , لأن وجود الباء يصرف عن ذلك" (104)
فكلمة العدل هنا تعني الحق؛ أي: بما يعتقده , وليس غيره , فإن إملاء ما يعتقده هو إملاء الحق.
فإذا رجعنا إلى معنى التكرار لهذا الحق , فإننا نجد أن هذا الحق ذكر عدة مرات:
1 -في قوله تعالى:"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"فإنها تصب في معنى الحق
2 -ثم التصريح بها في قوله:"وليملل الذي عليه الحق".
3 -ثم التعبير عنه بالضمير في قوله:"ولا يبخس منه شيئًا"أي من الحق.
4 -ثم التصريح به مرة رابعة , في قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا".
فصرح به مرة أخرى.
5 -ثم التعبير عنه بالكناية في قوله:"ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا"؛ فالضمير
في"تكتبوه"يمكن حمله أيضا على الحق.
فهذه المواضع تشير إلى أن"الحق"كلمة سارية في أوصال الآية ومقررة بعدة صور؛ لتملأ على الجميع حواسهم , فلا تغيب عنهم , وفي ذلك ما فيه من إثارة النفوس إلى حفظ هذا الحق , وضمانه , والاجتهاد في إيصاله إلى أصحابه.
فإذا أضفنا إلى كل ذلك أن كلمة"العدل"يمكن حملها على معنى الحق؛ أي يملل بالحق؛ لظهر جليًا قيمة هذه اللفظة , وحرص الآية على إشاعتها في النفوس.
عوامل التوكيد في جملة:"واستشهدوا شهيدين"
هذا هو الطرف الثالث في الآية , بعد الحديث عن المتداينين , والكاتب؛ ليكتمل بذلك توثيق العقد.
وتأخرت جملة الإشهاد عن جملة الكتابة؛ لأنها مؤخرة عنها في الواقع , فالشاهدان يشهدان بعد تحرير الوثيقة , وليس قبلها وشهادتهما ليس مقصودا بها رؤية الأخذ والعطاء فقط , بل مقصود بها أيضًا توقيعهما على تلك الوثيقة , وإقرارهما عليها كتابة ً؛ وذلك مستفاد من قوله تعالى:"وليكتب بينكم", فصيغة الجمع في"بينكم"تدل على حضور الشهود , وإقرارهما بما في العقد كتابةً.
والجملة معطوفة على جملة"فاكتبوه".
وحقيقية الشهادة: الحضور , والمشاهدة , لكن المراد بها هنا حضور خاص , وهو حضور لأجل الاطلاع على التداين" (105) "
و قد جاء في هذه الجملة عدة مؤكدات تبين أهميَّة الشهادة , وأثرها في حفظ الحقوق.
وأول هذه المؤكدات:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)