فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9869 من 56889

أما الآخران اللذان يستطيعان الإملاء ويباشران ذلك بأنفسهما فجاء الفعل معهما مفكوكًا ليصور قدرتهما على التوضيح والبيان.

وعلى هذا: كانت كل صورة من صور الفعل متناغية مع حالة المتكلم , وهذا توافق عجيب معجز , بين الفعل وفاعله.

فإن كان الفاعل فصيحًا , صريحًا يؤتى معه بالفعل صريحًا , وإن كان الفاعل في لسانه , أو عقله خلل من: احتباس , أو همهمة , أو غمغمة , أو سوء فهم , أو نحو ذلك , يؤتى معه بالفعل المدغم.

أثر التكرار في بناء جملة:"فليملل وليه بالعدل:"

وهذه الجملة هي جواب الشرط السابق؛ أعني قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا , أو ضعيفًا , أو لا يستطيع أن يُملّ هو".

والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الشرط هو التخفيف عنهم؛ بأن يقال مثلًا: فلا حرج عليهم ألا يكتبوا .... أو نحو ذلك.

لكن جواب الشرط جاء بالإملال , وبصيغة المضارع المقترن بلام الأمر , وهي ألزم وأشد في الوجوب , وهذا يشير إلى أن وجوب الكتابة ليس مقصورًا على أحد دون أحد فلا تسامح في هذا الأمر , حتى وإن كان الذي عليه الحق سفيهًا , أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل.

وهذه الفاء هي الواقعة في جواب الشرط؛ لأنه فعل أمر , والمجيء بالمضارع المقترن بلام الأمر يدل على أن الوجوب الكامن في الإملال الأول على الذي عليه الحق لم يُنقض , ولم يتسامح فيه , بل هو ما عليه من الإلزام , والفرضية.

ويلحظ هنا تكرار لفظ الإملال؛ حيث ذكر ثلاث مرات , وكأنه ركن من أركان العقد؛ لما فيه من رفع الصوت , وسماع الجميع لقيمة الدين , وموعد سداده , فالأمر أمر إعلان , وإشاعة لمن له الحق , ومن عليه الحق , ليعلم الناسُ ذلك , وفي هذا ما فيه من إشراك للمجتمع في الشهادة؛ ليكون ألزم للمدين بالسداد.

واللفظ الآخر في هذه الجملة هو"بالعدل"؛ حيث ذكر قبل ذلك في قوله:"وليكتب بينكم كاتب بالعدل".

وليس العدل هنا أو هناك بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد؛ فيقال:"رجل عدل , لأن وجود الباء يصرف عن ذلك" (104)

فكلمة العدل هنا تعني الحق؛ أي: بما يعتقده , وليس غيره , فإن إملاء ما يعتقده هو إملاء الحق.

فإذا رجعنا إلى معنى التكرار لهذا الحق , فإننا نجد أن هذا الحق ذكر عدة مرات:

1 -في قوله تعالى:"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"فإنها تصب في معنى الحق

2 -ثم التصريح بها في قوله:"وليملل الذي عليه الحق".

3 -ثم التعبير عنه بالضمير في قوله:"ولا يبخس منه شيئًا"أي من الحق.

4 -ثم التصريح به مرة رابعة , في قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا".

فصرح به مرة أخرى.

5 -ثم التعبير عنه بالكناية في قوله:"ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا"؛ فالضمير

في"تكتبوه"يمكن حمله أيضا على الحق.

فهذه المواضع تشير إلى أن"الحق"كلمة سارية في أوصال الآية ومقررة بعدة صور؛ لتملأ على الجميع حواسهم , فلا تغيب عنهم , وفي ذلك ما فيه من إثارة النفوس إلى حفظ هذا الحق , وضمانه , والاجتهاد في إيصاله إلى أصحابه.

فإذا أضفنا إلى كل ذلك أن كلمة"العدل"يمكن حملها على معنى الحق؛ أي يملل بالحق؛ لظهر جليًا قيمة هذه اللفظة , وحرص الآية على إشاعتها في النفوس.

عوامل التوكيد في جملة:"واستشهدوا شهيدين"

هذا هو الطرف الثالث في الآية , بعد الحديث عن المتداينين , والكاتب؛ ليكتمل بذلك توثيق العقد.

وتأخرت جملة الإشهاد عن جملة الكتابة؛ لأنها مؤخرة عنها في الواقع , فالشاهدان يشهدان بعد تحرير الوثيقة , وليس قبلها وشهادتهما ليس مقصودا بها رؤية الأخذ والعطاء فقط , بل مقصود بها أيضًا توقيعهما على تلك الوثيقة , وإقرارهما عليها كتابة ً؛ وذلك مستفاد من قوله تعالى:"وليكتب بينكم", فصيغة الجمع في"بينكم"تدل على حضور الشهود , وإقرارهما بما في العقد كتابةً.

والجملة معطوفة على جملة"فاكتبوه".

وحقيقية الشهادة: الحضور , والمشاهدة , لكن المراد بها هنا حضور خاص , وهو حضور لأجل الاطلاع على التداين" (105) "

و قد جاء في هذه الجملة عدة مؤكدات تبين أهميَّة الشهادة , وأثرها في حفظ الحقوق.

وأول هذه المؤكدات:

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت