فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9870 من 56889

اصطفاء لفظ الشهادة دون العلم , فقال:"واستشهدوا"ولم يُقل: وأعلموا؛ لأن الشهادة أخص من العلم؛ وذلك أنها: علم بوجود الأشياء , لا من قبل غيرها.

والشاهد نقيض الغائب في المعنى؛ ولهذا سمي ما يدرك بالحواس , ويعلم ضرورةً شاهدًا.

فالشهادة: علم يتناول الموجود , أما العلم فيتناول الموجود والمعدوم.

كما أن الشاهد للشيء يقتضي أنه عالم به , ولهذا قيل: الشهادة على الحقوق؛ لأنها لا تصح إلا مع العلم بها ,وذلك أن أصل الشهادة الرؤية , وقد شاهدت الشي: رأيته رؤية وسمعًا" (106) "

ومن المؤكدات في الجملة: السين والتاء:

يقول ابن حجر:"والاستفعال بمعنى الإفعال , كالاستجابة بمعنى الإجابة"وقال الطيبي"السين للطلب وهو المبالغة" (107)

وقال ابن عاشور:"إن السين والتاء لمجرد التوكيد ... ولك أن تجعلهما للطلب؛ أي: اطلبوا شهادة شاهدين , فيكون تكليفا بالسعي للإشهاد , وهو التكليف المتعلق بصاحب الحق" (108)

وعلى هذا:

فإن الألف والسين والتاء مع دلالة الطلب ,تفيد: التوكيد والتحقيق, وهو من معانيها النحوية.

ومن المؤكدات في الجملة أيضًا: تعدية الفعل إلى المفعول المطلق:

والأصل في المفعول المطلق التوكيد , أو البيان للنوع , أو للعدد , وفي بيان النوع والعدد ضرب من التوكيد أيضًا , فلما قيل:"واستشهدوا شهيدين"فُهم وجوب الإشهاد من طريقين:

الأول: من الأمر المسبوق بالسين والتاء.

والآخر: من تعدية الفعل إلى المفعول المطلق.

واشترط العدد في الشاهد , ولم يكتف بشهادة عدل واحد , لأن الشهادة لما تعلقت بحق معين لمعين

اتُهم الشاهد باحتمال أن يتوسل إليه الظالمُ , الطالب لحق مزعوم ,فيحمله على تحريف الشهادة , فاحتيج إلى حيطة تدفع التهمة , فاشترط فيه الإسلام- وكفى به وازعًا - والعدالة؛ لأنها تزع من حيث الدين والمروءة, وزيد انضمام ثان إليه؛ لاستبعاد أن يتواطأ كلا الشاهدين على الزور" (109) "

وفي صيغة"شهيد"نغم له مردود عظيم في قلوب المسلمين , فالصيغة تحمل معنى التضحية , والإقدام على المخاطر, ولعل في السين والتاء أيضا من المعاني ما يشعر بالجهد المبذول في السعي الجاد في طلب الشهيدين؛ لأنهما عزيزان بين الناس , لأنه طلب وبحث"عمن تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها , مقتدر على أدائها , وكأن فيها رمزًا إلى العدالة؛ لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم , ولعله لم يقل رجلين لذلك" (110)

وإنما قال:"من رجالكم"ليضيف إلى العدل معنى الذكورة القادرة على تحمل تبعات الشهادة , ولأوائها , ثم أضيف لفظ"الرجال"إلى ضمير الخطاب , ليشير إلى شهرتهم بين الناس , فهم المعروفون المعدودون من الرجال؛ وذلك لأن القصد من الإشهاد إحقاق الحق عند الخصومة , وهذا يتطلب معرفة الشاهدين , وسهولة إحضارهما , كما أن في هذه الإضافة معنى آخر أشار إليه ابن عاشور بقوله:"والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام" (111) , وعليه فلا يجوز شهادة الكافر على المسلم؛ لأنه ليس من رجالنا.

وبعدُ: فما زلت ألمح هذا الخيط الساري بين جنبات الآية , والذي يصل أولها بآخرها , ويربط بين تراكيبها , ويبرز مع كل جملة , بل كل كلمة , هذا الخيط الذي تحدثت عنه آنفًا , والذي يضع العقبات والعراقيل أمام إشاعة الديون , فهناك الآن في بعض الدول رغبة جامحة لجعل الشعب كله مديون , وانظر قليلًا إلى هذا الطوفان الذي يهجم على الناس من خلال وسائل الإعلام , بل انظر أيضا إلى الوعود المقدمة للشباب العاطل عن العمل , فبدلا من تحريره من البطالة , وتوفير فرص للعمل يريدون تقييده بالديون , ليزداد الخناق عليه , فلا يرى , ولا يسمع , ولا يهتم بعد استدانته إلا بدينه , أو العقوبة!!!!

بلاغة التعريف بالوصف في جملة:

(فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)

وهذه الجملة الشرطية مترتبة على سابقتها , ومكونات الشرط هنا كما يلي:

أداة الشرط:"إن"الدالة على ندرة الوقوع , فكأن الحديث هنا عن حالة نادرة.

وفعل الشرط:"يكونا رجلين"وفي دلالته ما يشير إلى أن الأصل هو البحث عن شهود

عدول , رجالًا كانوا أم نساءً , ولو كان البحث عن الرجال خاصة لقيل: فإن لم

يوجد رجلان"..."

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت