وقالوا: إنما نصبنا"تذكر"؛ لأن الجزاء لما تقدم اتصل بما قبله , فصار جوابه مردودا عليه , كما تقول في الكلام:"إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطي", بمعنى إنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل , أو إذا سأل , فالذي يعجبك هو الإعطاء , دون المسألة.
ولكن قوله"أن يسأل"لما تقدم اتصل بما قبله , وهو قوله:"ليعجبني".
وقرأ ذلك آخرون كذلك , غير أنهم كانوا يقرؤونه بتسكين الذال من"تُذْكِر: وتخفيف كافها."
... وكان بعضهم يوجهه إلى أن معناه: فتصيِّر إحداهما الأخرى ذكَرًا باجتماعهما , بمعنى أن شهادتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها: جازت , كما تجوز شهادة الواحد من الذكور في الدين؛ لأن شهادة كل واحدة منهما منفردة غير جائزة فيما جازت فيه من الديون , إلا باجتماع اثنتين على شهادة واحدة , فتصير شهادتهما حينئذٍ بمنزلة شهادة واحد من الذكور.
فكأن كل واحدة منهما _ في قول متأولي ذلك بهذا المعنى- صيَّرت صاحبتها معها ذكرًا , وكان آخرون منهم يوجهونه إلى أنه بمعنى الذِكرِ بعد النسيان.
وقرأ آخرون:"إن تضل إحداهما فتُذكَّرُ إحداهما الأخرى"بكسر"إن", ورفع"فتذكر"وتشديده , كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان إن نسيت إحداهما شهادتها تذكرها الأخرى , من تثبيت الذاكرة الناسية , وتذكيرها ذلك ....
ومعنى الكلام: واستشهدوا شهيدين من رجالكم , فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء؛ فإنْ إحداهما ضلت ذكرتها الأخرى , ...
يقول قتادة:"علِم اللهُ تعالى أن ستكون حقوق فأخذ لبعضهم من بعض الثقة , فخذوا ثقة الله تعالى , فإنه أطوع لربكم , وأدرك لأموالكم , ولعمري لئن كان تقيًا لا يزيده الكتاب إلا خيرًا , وإن كان فاجرًا فبالأحرى أن يؤدي إذا علم أن عليه شهودًا (114) "
والضلال هنا: النسيان - كما قال أبوعبيدة - معنى"تضل": تنسى , والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها , وذكر جزء , ويبقى المرء حيران بين ذلك , ضالًا , ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال:"ضلَّ" (115) .
وقد جعل الزمخشري هذا اللفظ من قبيل المجاز المرسل؛ حيث قال"أن تضل ... أي: إرادة أن تضل , فإن قلت: كيف يكون ضلالهما مرادا لله تعالى"؟
قلت: لما كان الضلال سببًا للإذكار , والإذكار مسببًا عنه , وهم ينزلون كل و احد من السبب , والمسبب منزلة الآخر؛ لالتباسهما , واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار , فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت , ونظيره: - أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه - , وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه" (116) ."
والسؤال الذي يعنُّ من خلال السورة المجازية هو:
ما وجه البلاغة في إيثار"أن تضل"بدلًا من"أن تنسى"إذا كانا بمعنى واحد؟
الذي أراه أن في الضلال معنى زائدًا وهو ترتب الهلاك على النسيان؛ ولذلك"قيل: ضلت الناقة: إذا هلكت بضياعها , وفي القرآن الكريم (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) (السجدة:10) أي: هلكنا بتقطع أوصالنا ... كما أن من معانيها: الضياع , يقال: هو ضال في قومه؛ أي: ضائع , ومنه قوله تعالى:" (وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) (الضحى:7) ؛ أي: ضائعًا في قومك , لا يعرفون منزلتك ...
وقيل: الضلال بمعنى القصد إلى الشيء؛ (أن تضل) ؛ أي تقصد إلى الشهادة فتذكرها الأخرى عونًا لها , وهذا من المقلوب المستفيض في كلامهم ... (117)
وكل ذلك يصب في نهر واحد , وهو بيان الحكمة من وضع المرأتين موضع الرجل الواحد؛ إذ أن الغالب على عقول النساء الانشغال بأمور المنزل , والأولاد , والقيام بأمر التربية؛ فصلتها بالحياة العامة ضعيفة بالنسبة للرجل , لذلك كانت في حاجة إلى تذكير ....
وصياغة الجملة كان من الممكن أن يقال فيها: لتذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ... لكن قدم الضلال إيماءً إلى شدة الاهتمام بشأن الإنكار عليه.
ولما كان"أن تضل"في معنى"لضلال إحداهما"صارت العلة في الظاهر هي الضلال , وليس كذلك , بل العلة هي ما يترتب على الضلال من إضاعة المشهود به , فتفرع عليه:"فتذكر إحداهما الأخرى"لأن - فتذكر - معطوف على - تضل - بفاء التعقيب , فهو من تكملته , والعبرة بآخر الكلام ...
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)