ومن رددتم عليه الحال فهو كما أشرتم ليس مرضيًا لمن سبره
هذا الذي سمح الذهن الكليل به والله أعلم بالفحوى بما ذكره
وكأن المراد هنا الإيماء إلى أن كلتا الجملتين علة لمشروعية تعدد المرأة في الشهادة؛ فالمرأة معرضة لتطرق النسيان إليها , وقلة ضبط ما يهم ضبطه , والتعدد مظنةٌ لاختلاف مواد النقص والخلل , فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى.
فقوله"أن تضل إحداهما"تعليل لعدم الاكتفاء بالواحدة ,, وقوله"فتذكر إحداهما الأخرى"تعليل لإشهاد امرأة ثانية؛ حتى لا تبطل شهادة الأولى من أصلها (121)
وعلى هذا فكل من المرأتين مُذكرة لصاحبتها , كما أن كلًا منهما ناسية لبعض التفصيلات؛ فقوله:"إحداهما"لا يقصد به واحدة بعينها , بل على العموم , وكذلك"الأخرى".
هذا , وقد قرئ:"فتذاكر إحداهما الأخرى", وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن:"فتُذْكِر"بسكون الذال وكسر الكاف.
فأما قراءة"فتذاكر"فإشارة إلى المفاعلة القائمة بين المرأتين , واستعانة كل منهما بالأخرى , في استرجاع الضوابط الحافظة للحقوق , والعودة إلى تفاصيل ما تم بين الدائن والمدين , حتى تكون الشهادة بالعدل , وفي هذا تناغم واضح مع سياق الآية.
كما أن هناك هدفًا آخر: وهو سكوت الآية عن تحديد وقت التذكير؛ فالتذكير قد يكون وقت الاستدعاء لإحقاق الحق , وقد يكون قبل ذلك؛ بمعنى أن كلًا من المرأتين تُداوِم على تذكير الأخرى قبل حلول موعد السداد , فإذا حان موعده كانت شهادتهما كاملة , وهذا بلا شك يوافق طبائع النساء , من حيث مداومة سرد هذه الأحاديث , ولا يُتصوَّر هنا ما ذكره القرطبي من أن إحداهما تجعل الأخرى ذكرًا , (122) .
أما قراءة"فتُذْكر"فهي هي"فتذكِّر", لكن التشديد , وعدم التشديد يشير إلى كمية المعلومات التي تنساها كل منهما , فإن كانت قليلة ناسبِ التعبير بالفعل"تُذكِر"بعدم التشديد , وإن كانت كثيرة ناسَبَ التعبير بالفعل"تذكَّر"بالتشديد؛ فلكل من القراءتين وجه معتبر في المراد.
ويتوافق مع هذين الفعلين قراءة:"إن تضل"وقراءة"أن تضل".
فالأولى توافق"تُذكِر"من حيث ندرة حدوث النسيان المدلول عليه بـ"إن"الشرطية.
والثانية توافق"تذكِّر"بالتشديد من حيث كثرة حدوث النسيان؛ لأن النساء لسن على درجة واحدة في النسيان؛ فمنهن من تنسى الكثير , ومنهن من هي حاضرة الذهن قليلة النسيان.
أثر السياق في تصوير المعنى في قوله تعالى:
"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"
دعوة الشهداء إلى الشهادة على وجهين:
الأول: دعوتهم إلى تحمل الشهادة وقت كتابة العقد.
والآخر: دعوتهم إلى أداء الشهادة عند حدوث خلاف.
فما المراد من دعوتهم؟ هل إلى الأداء أم إلى التحمل؟
إن الجملة القرآنية حذفت المدعو إليه ,"فجمعت بين الأمرين وهما:"
ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة , ولا إذا دعيت إلى أداءها" (123) "
وهذا من سعة دلالة الحذف , كما قال الإمام عبد القاهر عنه:"إنه باب دقيق , المسلك لطيف المأخذ , عجيب الأمر , شبيه بالسحر؛ فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر , والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة , وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق , وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تُبنْ" (124)
وإذا كان المحذوف هو تحمل الشهادة؛ فإنه يستفاد منه أن تحمل الشهادة فرض كفاية , وإذا كان المعنى: إذا دُعِي إلى الأداء فعليه أن يجيب , أي أنها فرض عين.
قال مجاهد:"إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار , وإذا شهدت فدعيت فأجب .."
وروي عن ابن عباس والحسن البصري: أنها تعم الحالين ,"التحمل والأداء" (125)
والذي أميل إليه في تعيين المحذوف هو: تحمل الشهادة , وذلك لعدة أسباب , ومنها:
1 -أن السياق في الحديث عن الدعوة للشهادة , ولو كان السياق في شأن الأداء لأمر الشاهد بالحضور قصرًا؛ لأنه لم يشهد غيره على التداين.
2 -أن الحديث هنا عن توثيق العقد , وليس عن فض نزاع , وهذا يناسبه أن تكون الدعوة للتحمل , وليس للأداء.
3 -أن الآية التالية تناولت الأداء , وحذرت من كتمان الشهادة فقيل فيها"ولا تكتموا الشهادة"ولا داعي هنا للتكرار , فالحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)