4 -لو كان الأمر لأداء الشهادة لما جاز لأحد أن يتخلف عنها ,"ولقد جاء عن الربيع: أن الرجل كان يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا , فلا يتبعه أحد منهم , فأنزل الله عز وجل:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"."
6 -أن الآية تحدثت من قبل عن نهي الكاتب عن الإباء, فقالت"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"والكتابة والشهادة جناحان للتوثيق, وضبط الحقوق , وقد جاء عن ابن جريج أنه سأل عطاء: ما شأنه إذا دعي أن يكتب وجب عليه ألا يأبى , وإذا دعي أن يشهد لم يجب إن شاء؟
قال: كذلك يجب على الكاتب أن يجيب, ولا يجب على الشاهد أن يشهد ,فالشهداء كثير" (126) ."
فقوله:"الشهداء كثير": محمول كما لا يخفى على التحمل , وليس الأداء.
المجاز المترتب على تقدير المحذوف:
إذا كان الأمر متعلقًا بتحمل الشهادة , فكيف يجوز إطلاق اسم الشهداء عليهم من قبل؟
لقد ذهب الطبري إلى عدم جواز هذا فقال:"غير جائز أن يلزمهم اسم الشهداء , إلا وقد استشهدوا قبل ذلك , فشهدوا على ما ألزمهم شهادتهم عليه اسم الشهداء , فأما قبل أن يستشهدوا على شيء فغير جائز أن يقال لهم شهداء؛ لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم , ولما يستشهدوا على شيء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم , لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له: شاهد , بمعنى أنه سيشهد , أو أنه يصلح لأن يشهد."
وعليه كان معلومًا أن المعنيّ بقوله:"ولا يأب الشهداء"مَنْ وصفنا صفته ممن قد شهد فدُعي إلى القيام بها؛ لأن الذي لم يشهد غير مستحق اسم شهيد , ولا شاهد". (127) "
والأمر - كما أرى - أبسط من كل هذا؛ لأن من الأصول المعتمدة في علم البلاغة أن الشيء يجوز تسميته باسم ما يؤول إليه على سبيل المجاز المرسل , الذي علاقته اعتبار ما سيكون؛ مثل قوله تعالى: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) (يوسف:36) .
وهو ما عليه الأمر هنا. (128) .
وعليه , يجوز تسمية الرجال باسم الشهداء؛ لأنهم سيصيرون شهداء , وفي ذلك نكتة , وهي أنهم بمجرد دعوتهم إليها فقد تعينت عليهم الإجابة فصاروا شهداء. (129)
كما لا يخفى أن فيها تحريضًا لهم بالمدح بهذا اللقب , بالإضافة إلى أنهم ذو خبرة , ومجربون في الشهادة.
يقول ابن عاشور:"وإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر , وجيء في خطاب الشهداء بصيغة النهي؛ اهتمامًا بما فيه التفريط؛ فإن المتعاقدين يُظن بهما إهمال الإشهاد , فأُمرا به."
والشهود يُظن بهم الامتناع فنهوا عنه , وكل يستلزم ضده" (130) ."
أما لبنات هذه الجملة فإنها تحمل من الكنوز الدلالية الكثير التي تتناغم مع دلالة الأساليب: وأول ما يلقانا هنا هو"لا"الناهية في قوله:"ولا يأب الشهداء".
والنهي بـ"لا"مشعر برغبة المنهي في ارتكاب المنهي عنه إن كانت له مندوحة , فحين يقال: لا تفعل كذا .. يفهم منه أن له رغبة في فعله , أو أنه يفعله الآن , فنهي عنه , وهذا يصور نفرة النفوس من تبعات الشهادة , ومحاولة الفكاك منها , ولولا طاعة الله تعالى لما شهد أحد ...
أما اصطفاء الفعل"يأبى"دون"يمتنع"مثلًا؛ فلأن الإباء فيه من الرفض المصحوب بالعلة , وخوف المستقبل , والحذر من الإقدام , فهو ليس امتناعًا ساذجًا , بل امتناع معلل , وهذه أقصى درجات الرفض , ولا يعنى هذا أن القرآن أباح الامتناع عن الشهادة؛ لأن من سنن القرآن الكريم أنه يوجه النهي إلى أعلى درجات الفعل ليكون ما دون ذلك داخلًا فيه ً, وهو المعروف بالتنبيه بالأعلى على الأدنى.
كما أن الكلمة بجرسها العالي تشعر بالدفع , والإعراض عن هذا الأمر , ومَنْ من المؤمنين يحب الشهادة في أمور تحفها المخاطر؟!!!!
أما لفظ"الشهداء"فجاء جمعا لدخول النساء في هذا اللفظ , فصاروا جمعًا , وفي كلمة"إذا"ما يشير إلى كثرة ذلك منهم ً وأنهم صاروا معروفين بالشهادة , وقد يلوح من هذه الآية دليل على أنه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهودًا , ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم , فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظًا لها , وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق وبطلت" (131) "
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)