"وقد أحسن قضاة تونس المتقدمون , وأمراؤها في تعيين شهود منتصبين للشهادة بين الناس , ويُعرفون بالعدالة , وكذلك كان الأمر في الأندلس , وذلك من حسن النظر للأمة , ولم يكن ذلك"
متبعًا في بلاد المشرق ..
وكان مما يعد في ترجمة بعض العلماء أن يقال: كان مقبولًا عند القاضي فلان" (132) "
دلالة"ما"في قوله:"إذا ما دعوا":
قيل ""ما"مزيدة (33) , وراعى بعضهم اللفظ فقال " ما"حرف زائد للتوكيد عند جميع البصريين , ويؤيده سقوطها في قراءة ابن مسعود"بعوضة"في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) (البقرة:26) ."
وتأتي"ما"على ستة معان منها:"التوكيد , ويسميه بعضهم صلة , وبعضهم زائدة , والأُولى"
أولى؛ لأنه ليس في القرآن حرف إلا وله معنى , والنحاة إنما يقولون زائدة , يقصدون أنها لا تؤثر على إعراب الجملة , ولا يقصدون خلوها من المعنى , أو إنها يمكن الاستغناء عنها.
والذي ينبغي الوقوف عليه هنا أن السياق يستدعي هذا التوكيد؛ لأن إعراض الشهداء عن الشهادة كثير , بل إن المسلم ليتهرب منها؛ خشية الوقوع في الزلل أو النسيان , أو معاداة أحد المتداينين إن
شهد عليه , ومن أجل كل ذلك كان التوكيد هنا حسنًا؛ ليعلم أن شهادته ضمان للحقوق , ودفع للشبهات , وإغلاق لأبواب الشقاق .... ولكن هل يمكن ملاحظة النفي في"ما"هنا؟
إن ملاحظة النفي هنا مقبول أيضًا؛ لأن المعنى حينئذ هو أن: على الشهداء الإدلاء بشهادتهم , حتى وإن لم توجه إليهم الدعوة للشهادة؛ لأن فيها إحقاقًا للحق.
كما أن من دلالة"ما"المفهومة من خلال السياق هنا أنها تومئ إلى الإسراع في تلبية الدعوة , دون تأجيل أو تسويف , فكأنها تدل على الحينية , وتخصيص المستقبل الكامن في"إذا", فإن قيل: ولا يأب الشهداء إذا دعوا", جاز أن يلبوا اليوم أو غدًا أو بعد أسبوع."
أما حين يقال:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"فيعني وجوب أن تكون الإجابة للدعوة في حينها , وفي ذلك تعجيل بحفظ الحقوق , وإيحاء للشهود بخطورة الأمر , ووجوب حسمه في حينه.
ويؤيد هذا أن الآيات التي جاءت فيها"ما"غالبًا ما تدل على ربط الفعل بالزمن الحاضر العاجل دون تأخير , وذلك في مثل:
1 -" (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) (الانبياء:45) "
2 - (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ) (فصلت:20)
3 - (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) (التوبة:92) وغير ذلك كثير
وأيضًا من الدلالات التي يمكن فهمها أنهم في أي وقت يدعون فيه للشهادة فعليهم التلبية؛ وذلك لأن"ما"تحمل معنى الوقت , وهذه من أوجه دلالتها , كما قال ابن هشام في نحو قوله تعالى:"مادمت حيًا"مريم 31"أصله: مدة دوامي حيًا .. وفي نحو"كلما أضاء لهم مشوا فيه"البقرة 20"
أي: كل وقت إضاءة , واستدل ابن مالك على مجيئها للزمان ... (135)
أما اصطفاء الفعل"دعوا"فيشير إلى الرفق , واللين والتودد إلى الشهداء؛ لأنهم لايبتغون من شهادتهم إلا رضى الله تعالى؛ لذلك حملت من الترغيب ما يجذبهم إليها , ولو كانت الشهادة شهادة أداء لأمروا بالحضور؛ إذ ليس هناك غيرهم.
الكناية في قوله"ولا تسأموا"
"لقد انتقل الشارع إلى غرض آخر , غرض عام للتشريع , يؤكد ضرورة الكتابة - كَبُرَ الدَّين أم صغر , بحجة أن الدين الصغير لا يستحق , أو أنه لا ضرورة للكتابة بين صاحبيه لملابسة من الملابسات كالتجمل , والحياء , أو الكسل وقلة المبالاة , ثم يعلل تشديده في وجوب الكتابة تعليلًا وجدانيًا وتعليلا علميًا. (136) ."
والساْم في لغة العرب"يعني: الكسل والتهاون والملل في تكرير فعل ما , أو الملل مما يكثر فعلًا كان أو اسمًا" (137) .
وعليه ففي الفعل كناية عن صفة؛"لأن المراد من السأم هو الكسل , إلا أنه كُنِّي به عنه؛ لأنه وقع في القرآن صفةً للمنافقين" (138)
وقيل: كُني بالسأم عن الكسل؛ لأنه صفة المنافق؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - لا يقول المؤمن كسلت" (139) "
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)