فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9883 من 56889

أما بلاغة ذكر الإضرار بلفظ"تفعلوا"فإنه يكمن في تقبيح من يفعل ذلك , وأنه ارتكب أمرًا لا يمكن ذكره أو وصفه , وهو إضرار الكاتب أو الشاهد , وما هما إلا وسيلتان لحفظ الحقوق , ولا يعقل أن يقابل الإحسان إلا بالإحسان , فلما حدث هذا الإضرار عبَّر عنه بلفظ الفعل؛ استبشاعًا له وتهويلًا , كما قيل لموسى - عليه الصلاة والسلام -"وفعلت فعلتك التي فعلت"- الشعراء 19 -

كما أن إيثار صيغة المضارع"تفعلوا"يشعر بأن المضارة أضحت عادة في الناس تتجدد , وتتكرر كثيرًا بينهم.

أما حذف المفعول من قوله"وإن تفعلوا"؛ فلكي تذهب فيه العقول كُلّ مذهب، حتى يدخل فيه كل نوع من الإضرار، سواء في النفس أو المال أو الولد أو غير ذلك.

وجاء جواب الشرط جملةً اسمية مفتتحة بإنّ؛للإشارة إلي مضمون الجملة، وهو ثبوت الفسوق

بكل ما يضر الكاتب أو الشهيد؛ لأن في ذلك إغلاقًا لبابٍ أباحه الله تعالي، وفي ذلك تضيق علي الناس أو دفعًا لهم إلي الربا أو ما حرم الله ...

وجاء اسم"إنّ"ضميرًا للشأن , ولضمير الشأن شأنٌ في بلاغة العرب، فلقد مضي العلماء علي أن [فائدته الدلالة علي تعظيم المخبر عنه، وتفخيمه بأن يذكر أولًا مبهما ًثم يفسَّر وكذلك يسمَّي ضمير المجهول , وهو عائد على ما بعده لزومًا إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم عليه] (170)

وعليه فتقدير المعنى: فإن الفسوق بكم.

وكون ضمير الشأن مفخمًا, ومعظمًا للمخبر عنه يعني أن التفخيم للفسوق , وأن المبالغة في الفسوق. وهذا لون من ألوان التنفير , وزجر لكل من تسول له نفسه الإضرار بالكاتب أو الشاهد , لأن فسقه سيكون مؤكدًا ومبالغًا فيه , أو أن الضمير يعود على الإضرار المفهوم من قوله:"ولا يضار", ويكون المعنى: فإن الإضرار فسوق.

ثم إنه كان يمكن أن يقال: فإنه فسوق وكفى , لكنه زاد النسبة , فقال [بكم] لإشعارهم بأن ضررًا وأذى قد لحق بهم , فعليهم الإسراع للتخلص منه , وكأن الفسوق يتعلق بهم حال إضرارهم بالكاتب , أو الشهيد , وليس المراد هنا لزومه لهم , أو أنهم لا ينفكون عنه كما قال البعض] (171)

ولقد جاء في الحديث:"سباب المؤمن فسوق , وقتاله كفر"ولا يمكن حمل المعنى على أن من سب مسلمًا لزمه الفسوق , ولا ينفك عنه , بل المعنى: على أن الفسوق لاحق به حال سبه , وأن الكفر لاحق به حال قتاله لأخيه المؤمن , ويزول عنه إذا كف عن ذلك.

أما قوله"بكم"وكان يمكن أن يقال - لأنه فسوق _ فوجهه إرادة الحكم على الفاعل تنفيرًا من الإضرار , وزجرًا له عن الوقوع فيه.

بلاغة التكرار في قوله تعالى:

(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

وهذه ثلاث جمل جاءت في ختام الآية , والواو في الجملة الأولى استئنافية؛ لختم التكاليف السابقة بالبواعث والمحرضات , على قبول ما سبق , والامتثال له؛ ذلك لأن التكاليف السابقة فيها من الثقل ما فيها , والنفس حين يثقل عليها العبء تحتاج إلى ما ينشطها , فذكرتها الآية بتقوى الله تعالى؛ [لأنها ملاك الخير , وبها يكون ترك الفسوق] (172) .

أما تكرار , [وإظهار اسم الجلالة في الجمل الثلاث , فلقصد التنويه لكل جملة؛ حتى تكون مستقلة الدلالة , غير محتاجة إلى غيرها المشتمل على مُعاد ضميرها , حتى إذا استمع السامع لكل واحدة منها حصل له علم مستقل , وقد لا يسمع إحداها فلا يضره ذلك في أخراها, ونظير هذا قول الحماسي:

اللؤم أكرم من وبر ووالده واللؤم أكرم من وبر وما ولدا

واللؤم داء لوبرٍ يُقتلون به لا يقتلون بداءٍ غيره أبدا

فإنه لما قصد التشنيع بالقبيلة , ومن ولدها , وما ولدته أظهر"اللؤم"في الجمل الثلاث , ولما كانت الجملة الرابعة كالتأكيد للثالثة لم يظهر اسم اللؤم بها.

هذا ولإظهار اسم الجلالة , وتكراره نكتة أخرى , وهي التهويل , وللتكرير مواقع يحسن فيها , ومواقع لا يحسن فيها.

قال عبد القاهر في خاتمة دلائل الإعجاز [الذوق قد يدرك أشياء لا يُهتدى لأسبابها , وأن بعض الأئمة قد يعرض له الخطأ في التأويل , ومن ذلك ما حُكي عن الصاحب أنه قال: كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي , ويُنقِّط على ما يختاره , قال الصاحب , فدفع إليَّ القصيدة التي أوّلها:

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت