أتحت ضلوعي جمرة تتوقد على ما مضى أم حسرة تتجددُ
وقال لي: تأملها , فتأملتها , فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقط عليه , وهو قوله:
بجهل كجهل السيف والسيف منقض وحلم كحلم السيف والسيف مغمدُ
فقلت: لم ترك الأستاذ هذا البيت؟
فقال: لعل القلم تجاوزه , ثم رآني من بعدُ فاعتذر بعذر كان شرًا من تركه , فقال: إنما تركته؛ لأنه أعاد السيف أربع مرات.
قال الصاحب: لو لم يُعده لفسد البيت.
قال الشيخ عبد القاهر: والأمر كما قال الصاحب .... ثم قال:
إن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف , لأجل ذلك كان لإعادة اللفظ في قوله تعالى:"وبالحق أنزلناه وبالحق نزل"وقوله: قل هو الله أحد الله الصمد"عمل لولاه لم يكن."
وقال الراغب: قد استكرهوا التكرير في قوله:
· فما للنوى جُدّ النوى قُطع النوى *
حتى قيل: لو سلط بعير على هذا البيت لرعى ما فيه من النوى , ثم قال: إن التكرير المستحسن: هو تكرير يقع على طريق التعظيم أو التحقير , في جمل متواليات , كل جملة منها مستقلة بنفسها , والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة , أو في جمل في معنى .... ولم يكن في معنى التعظيم أو التحقير.
فالراغب موافق للأستاذ ابن العميد , وعبد القاهر موافق للصاحب بن عباد ...
قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول يحيى بن زياد:
لما رأيت الشيب لاح بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبًا
كان الواجب أن يقول: قلت له: مرحبا لكنهم يكررون الأعلام , وأسماء الأجناس كثيرًا والقصد بالتكرير التفخيم.] (173)
وسواء أطلق العلماء على هذا مصطلح: وضع الظاهر موضع المضمر , أو الخروج على خلاف الأصل , أو التكرار؛ فإن القصد هو التعظيم , [وإدخال الروعة وتربية المهابة في النفوس] (174) .
وعليه فتكرير اسم"الله"في ختام الآية حيث قيل"واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم"إنما قصد به تربية المهابة في القلوب الدائنة , والمدينة , والشاهدة , والكاتبة , وكذا تربية المهابة في قلوب المجتمع الإسلامي ليحتاط في هذه المعاملات , ويسمع لأوامر , ويطيع.
تعلق العلم بالتقوى:
ذهب البعض إلى التلازم بين العلم والتقوى: تلازمًا شرطيًا , بمعنى: أن العلم متعلق بالتقوى , فمتى حدثت التقوى حدث العلم وترتب عليها اعتمادًا على قوله تعالى:"واتقوا الله ويعلمكم الله"
يقول القرطبي: [إن الآية وعد من الله بأن من اتقاه علَّمه, أي: يجعل في قلبه نورًا يفهم به ما يُلقى إليه] (175)
ويقول الصابوني: [العلم نوعان: كسبي ووهبي.
أما الأول: فيكون تحصيله بالاجتهاد والمثابرة والمذاكرة.
وأما الثاني: فطريقه التقوى , والعمل الصالح , كما قال الله تعالى:"واتقوا الله ويعلمكم الله"وهذا العلم يسمى العلم اللدني:"وآتيناه من لدنا علما"- الكهف 65 - , وهو العلم النافع الذي يهبه الله تعالى لمن يشاء من عباده المتقين , وعليه أشار الإمام الشافعي بقوله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني أن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاص
لكن الزركشي - رحمه الله - خالف هذا , فقال [وأما قول الله تعالى"واتقوا الله ويعلمكم الله"فظن بعض الناس أن التقوى سبب التعليم , والمحققون على منع ذلك؛ لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول ربط الجزاء بالشرط , فلم يقل"واتقوا الله يعلمكم الله"ولا قال"فيعلمكم الله"وإنما أتى بواو العطف , وليس فيه ما يقتضي أن الأول سبب للثاني , وإنما غايته الاقتران والتلازم , كما يقال: زرني وأزورك , وسلم علينا ونسلم عليك ... ونحوه مما يقتضي اقتران الفعلين , والتقارض من الطرفين , كما لو قال عبد لسيده: اعتقني ولك عليّ ألف , أو قالت امرأة لزوجها: طلقني ولك ألف , فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف , أو على ألف.
وحينئذ يكون متى علّم الله العلم النافع اقترنت به التقوى بحسب ذلك , ونظير الآية قوله:
(فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (هود:123) .
ولا أظن أن هناك خلافًا على العلم اللدني , لقوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (الكهف:65) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)