فالعلم الوهبي علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم , وإليه الإشارة في الأثر:"من علم بما علم ورثّه الله علم ما لم يعلم] (178) "
هذا .... وإن كان العلم الوهبي لا يختلف عليه أحد إلا أن سياق الآية في شأن تعليم المسلمين الضوابط الحافظة للديون , ولا علاقة لها بالعلم اللدني.
ولعل من أقحم هذا الأمر نظر إلى ورود قوله تعالى"ويعلمكم الله"عقب قوله تعالى: واتقوا الله"وهذا بعيد - كما أرى -."
أما جملة":"والله بكل شيء عليم""
فقد ختمت بها الآية , وهي مكونة من مبتدأ وخبر , ووضع بينهما الجار والمجرور"بكل شيء"لأن ما سبق كان تعليمًا للمسلمين قواعد , وأصول الضبط , فأحاط المبتدأ والخبر (الله عليم) بكل شيء يتعلق بالديون ,
وقدم الجار والمجرور على الخبر لأن الآية في شأن التعليم والتوجيه ووضع الضوابط فقدم كل ذلك على الخبر , ولو كان السياق في تمجيد الله تعالى لقيل:"والله عليم بكل شيء."
وهذا الختام تذكير للمسلمين بأن ما وضعه الله تعالى من ضوابط إنما جاء من علم محيط بما قد ينشأ في النفوس من ريب عند ترك هذه الضوابط , أو مخالفتها مما يحتم عليهم الأخذ بها والإذعان لكل جزئياتها.
الفصل الرابع
الإيقاع داخل الآية
لا شك أن روافد الجمال والبلاغة في اللغة العربية كثيرة , ومن أعلاها: تآلفها الصوتي , وانسجام حروفها وكلماتها وجملها في منظومة تجعل من الكلام وجبة متفاعلة العناصر متآلفة الأجزاء؛ ولذلك كان الشعر ذا مكانة عالية عند العرب؛ لما يفيض به من موسيقي ونغم.
لكن الذي ينبغي الالتفات إليه عند ملاحظة هذه النغمات وتلك التوافقات الموسيقية، هو ملاحظة العلاقة بينها وبين الغرض العام؛ ولذلك يقول أستاذنا محمود توفيق
:"إن العربية في أي أفق من أفاق البيان بها هي لغة الإيقاع المتجدد" (179) .
والنغم في اللغة ينبعث من عدة مصادر .. ويجمعها طريقان:
الأول: النغم الصوتي.
والآخر: النغم المعنوي.
ففي النغم الصوتي: تأتيك الموسيقي من خلال أصوات الحروف والحركات داخل الكلمة، ومن اختيار الكلمات واصطفاء موقعها داخل الجملة، كما يأتي من حجم الكلمة والختام بها في الفاصلة.
أما النغم المعنوي: فيأتي من التقابل، والتناظر، والتوازن، والتكافؤ , ورد العجز على الصدر , ومراعاة النظير إلى آخر ذلك من علاقات المعاني , ويجمع كل ذلك [الانسجام] (180)
والآن فلنحاول أن نرهف السمع إلى ما يبدو من تلك النغمات
إن البداية تبدو في حجم الجملة داخل الآية , فالجملة العربية وحدة صوتية كبيرة , لها ما يميزها من إيقاع نغمي , وطول هذه النغمة أو قصرها لا شك له دلالته , أو ينبغي أن يكون له دلالته.
ومجموع الجمل في الآية ثلاثٌ وعشرون جملة.
أربع منها طويلة ممتدة , وإحدى عشرة جملة متوسطة الطول , وثماني جمل قصيرة.
وعليه , فالكثرة الكاثرة للجمل المتوسطة والقصيرة , من نحو (فليكتب) , (وليملل الذي عليه الحق) (وليتق الله ربه) .
وهي نغمات تشعرك بالحدة , والحسم , وسرعة اللهجة وعلو الصوت , وكأنها أمور لا تحتمل النقاش أو التأجيل , أو النظر , وهذا يصب في دائرة الإلزام بالكتابة , فالقضية متعلقة بالحقوق من جهة , وبوحدة الصف من جهة أخرى , وهذه قضايا لا تهاون فيها, لذا كانت النبرة عالية وسريعة.
أما من حيث الحروف:
فإن الحروف الثلاثة [الكاف , والتاء , والباء] في لفظ [كتب] هي النغمة الشائعة في الآية.
واسمع إلى ذلك:
[فاكتبوه - وليكتب - كاتب - كاتب - يكتب - فليكتب - تكتبوه - تكتبوها - كاتب -] .
فهي نغمة لا تكاد تنقطع عن الأذن , ولا ينفك القارئ منها حتى ينتهي من الآية , وهي نغمة موزعة في جنبات الآية من أولها إلى آخرها؛ فلا يكاد القارئ يسمعها إلا وتعاوده مرة أخرى؛ لتشيع هذا الجو من الحفظ , والضمان الموجود في دلالتها.
ودلالة هذه الكلمة في اللغة تفيد [جمع الشيء إلى الشيء] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)