فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9886 من 56889

فإذا جمع كل ذلك من النغمات التي ختمت بها الجمل والفواصل لَتَبيَّن ما في الآية من دقَّات عالية الصوت , وكأنها دقات إنذار وتحذير عالي اللهجة من خوض هذا المعترك الخطر , أعني: معترك الديون , ولنسمع سويًا إلى ختام هذه النغمات , أو الجمل والحظ معي آخر كل جملة وخلوها من الامتداد الصوتي او كما يقول الموسيقيون _ القفلات الحادة _ , لنسمع:

وليكتب بينكم كاتب بالعدل.

فليكتب وليملل الذي عليه الحق.

وليتق الله ربه.

واستشهدوا شهيدين من رجالكم.

ذلكم أقسط عند الله.

وأقوم للشهادة.

وأشهدوا إذا تبايعتم.

وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم.

واتقوا الله.

ويعلمكم الله.

إن هذه النهايات المبنية على كلمات خالية من المد تُشعر بهذا الحزم , والحسم , والقطع؛ لأن الشائع في القرآن الكريم ختمُ الآيات والجمل بكلمة فيها حرف مد في الآخر , أو قبل الآخر نحو:

(وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (الضحى1 - 2) أو نحو:

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون1 - 2)

وهذا الامتداد الصوتي له وقع نغمي ممتد , وكل نغمة تناسب الغرض الذي سيقت من أجله , لكن الذي عليه الحال هنا - في آية الدين - يختلف , وقد لاحظتَ هذا في نحو: [بالعدل - الحق - رجالكم - أجله - ربه - تبايعتم - بكم] .

تلك بعض نهايات الجمل داخل الآية , وهي بلا شك تتوافق مع غرضها العام الداعي إلى ضمان الحقوق , وحفظها , وأخذ المواثيق عليها , وتوعُّد المخالف.

كما أن من روافد النغم في الآية هذه التقابلات بين الألفاظ والجمل.

ففي الألفاظ يُلحظ الطباق بين [رجل وامرأتان] , [وإحداهما والأخرى] , [وصغيرًا أو كبيرًا] , وكذا بين [أن تضل - وتُذكر] , وفي المقابلة تلحظ أيضًا هذه النماذج:

مثل المقابلة بين جملتي: [لا يستطيع أن يُمل هو] و [فليملل الذي عليه الحق] , وبين جملتي [أن تضل إحداهما] و [فتذكر إحداهما الأخرى] , وبين جملتي [يأبى الشهداء] و [إذا ما دعوا] وبين جملتي: [ولا يضار كاتب ولا شهيد] و [إن تفعلوا] . حيث يفهم منها المضارة.

وهذه التقابلات بين الجمل والمفردات تعمق المعاني المسكوت عنها في الآية؛ فالآية تضع ضوابط لمنع الخلاف بين المسلمين , وهذا يعني أن النفوس على شفا هذه الهاوية؛ فهي إذًا في وضع متقابل , أو تكاد , ومن ثم جيء بالمعاني لتصور هذا الوضع القائم بين الأطراف , ولترسم طبيعته المضادة في شأن الأموال , والتي من أجلها جاءت الآية لتطمئن , ولتضع الروابط بين هذه المتنافرات؛ حتى لا يؤدي التعامل بالديون إلى المحذور , وهو الخلاف والشقاق.

كما أن من روافد النغم في الآية مراعاة النظير:

حيث جمع مع الكلمة الأم - وهي كلمة (الكتابة) جُمعَ معها بعض الألفاظ التي تمُتُّ بالصلة إلى أسرتها الدلالية؛ وذلك نحو: [علمه - يملل - تضل - تذكر - أقْوَم - يعلمكم - عليم] .

فكل هذه كلمات ذات وشائج , وروابط لا تخفى , وهذا يعني أن أسرة كلمة (الكتابة) جاءت لتضيف إلى المعنى المفهوم منها قوة وتأصيلًا؛ إذ ليس التوثيق عارضًا , أو ثانويًا , بل هو هدف حُشدت له الألفاظ والتراكيب والصور.

الفصل الخامس

إعادة التركيب

بعد هذا التحليل , وبعد الوقوف أمام العناصر بأشكالها المختلفة؛ من كلمات وجمل , وتراكيب , وصور , وعلاقة كل ذلك بالغرض العام , والسياق الكلي , والجزئي , وبعد رؤية النص من خلال السورة , وموقعه , وعلاقاته المتشابكة , ونغماته , وربط كل ذلك بغرض الآية الكلي

بعد كل هذا يبقى إعادة جمع هذه العناصر من منظور آخر؛ ليكتمل المنهج الكلي.

وذلك بالنظر إلى الأسلوب الذي بنيت عليه هذه الآية: أعني الأسلوب الأعلى , والأكثر شيوعًا , والذي هو عمود الآية ومحورها , ثم النظر إلى علاقات الأساليب الأخرى به , وكيف

انعطفت عليه انعطاف الفرع على الأصل , وكيف دارت في فلكه , وتجمعت حوله؟

والذي لا يخفى بعد التحليل أن الأسلوب المهيمن على الآية هو:

[الأمر بالكتابة] .

فهو عمود الآية , وقطب رحاها , ومحور بنيانها؛ فإنك تلحظه صريحًا ومفهومًا.

فهو مثلًا صريح في نحو:

· إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه.

· وليكتب بينكم كاتب بالعدل.

· ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله.

· فليكتب.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت