فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 210

66 -فقال عبد الله بن محمد فحدثني أبي محمد بن عمران ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة زوج النبي A قالت: لما اجتمع أصحاب رسول الله A فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ، ألح أبو بكر Bه على رسول الله A في الظهور ، فقال: « يا أبا بكر ، إنا قليل » ، فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله A حتى ظهر رسول الله A وتفرق المسلمون في نواحي المسجد ، كل رجل في عشيرته (1) ، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ، وكان رسول الله A جالسا ، فكان أول خطيب دعا إلى الله D وإلى رسوله A ، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ، ووطي أبو بكر وضرب ضربا شديدا ، فدنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين (2) ويحرفهما لوجهه وثنى على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وجاءت بنو تيم يتعادون (3) وأجلت المشركين عن أبي بكر ، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ، ولا يشكون في موته ، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة ، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب ، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله A ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه ، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير بنت صخر: انظري أن تطعميه شيئا ، أو تسقيه إياه ، فلما خلت به ألحت عليه ، وجعل يقول: ما فعل رسول الله A ؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك ، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فسليها عنه ، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله ، فإن تحبين أن أمضي معك إلى ابنك ؟ قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا ، فدنت (4) أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر ، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم ، قال: فما فعل رسول الله A ؟ قالت: هذه أمك تسمع ، قال: فلا شيء عليك فيها ، قالت: سالم صالح ، قال: فأين هو ؟ قالت: في دار أبي الأرقم ، قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاما أو شرابا أو آتي رسول الله A ، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس ، خرجتا به يتكي عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله A ، قال: وأكب عليه رسول الله فقبله ، وأكب عليه المسلمون ، ورق له رسول الله A رقة شديدة ، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله ، ليس من بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أمي برة بولدها ، وأنت مبارك ، فادعها إلى الله D ، وادع الله لها ؛ عسى الله أن يستنقذها بك من النار ، قال: فدعا لها رسول الله A ، ثم دعاها إلى الله D ، وأسلمت ، فقاموا مع رسول الله A في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا ، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر ، فدعا رسول الله A لعمر بن الخطاب ولأبي جهل بن هشام ، وأصبح عمر ، وكانت الدعوة يوم الأربعاء ، فأسلم عمر يوم الخميس ، وكبر رسول الله A وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة ، وخرج ابن الأرقم وهو أعمى كافر وهو يقول: اللهم اغفر لبني عبيد الأرقم ؛ فإنه كفر ، فقام عمر فقال: يا رسول الله ، على ما نخفي ديننا ونحن على الحق ، ويظهر دينهم وهم على الباطل ؟ قال: « يا عمر ، إنا قليل ؛ فإنك قد رأيت ما لقينا » ، فقال عمر بن الخطاب: فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان ، ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهي تنتظره ، فقال أبو جهل بن هشام لعمر: أرى أنك صبوت (5) ، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فوثب المشركون إليه ، ووثب على عتبة فبرك عليه فجعل يضربه وأدخل إصبعيه في عينيه ، فجعل عتبة يصيح ، فتنحى الناس ، فقام عمر فجعل لا يدنو (6) منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه حتى أعجز الناس ، واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الإيمان ، ثم انصرف إلى النبي A وهو ظاهر (7) عليهم فقال: ما عليك بأبي وأمي ، والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هايب ولا خائف ، فخرج رسول الله A وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا ، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر ، ثم انصرف عمر وحده وصلى ، ثم انصرف إلى النبي A

(1) العشيرة: الأهل أو القبيلة

(2) الخصف: إصلاح النعل وخياطته بالمخرز

(3) يتعادون: يسرعون في الخطى

(4) الدنو: الاقتراب

(5) صبأ الرجل وصبا: ترك دين قومه ودان بآخر

(6) يدنو: يقترب

(7) الظهار: تحريم الرجل امرأته على نفسه بقوله: أنت عليَّ كظهر أمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت