كتابه"التقاسيم والأنواع"؛ لأن هذه الجملة هي التي تميز عنوان صحيح ابن حبان على عنوان غيره ممن أَلَّف في الصحيح.
وقصدُه بـ التقاسيم والأنواع: أن ابن حبان في ترتيبه لأحاديث كتابه انتهج نهجًا غريبًا انفرد دون بقية العلماء جميعًا، لم يؤلف أحدٌ قبله على طريقته، ولم يؤلف أحد بعده على طريقته، هو منهج فريد لم يوافقه عليه أحد لا سابق ولا لاحق؛ ذلك أنه رأى أن يُقَسِّم كتابه على خمسة أقسام أساسية، وكل قسم منها يقسمه إلى أنواع، ولذلك سماه"التقاسيم والأنواع"، فهي خمسة أقسام أساسية - سيأتي ذكرها - تحت كل قسم أنواع كثيرة حسب ما يظهر له من الأنواع.
القسم الأول: قسم الأوامر؛ الأحاديث التي فيها أمر.
القسم الثاني: النواهي.
القسم الثالث: الأخبار.
القسم الرابع: الإباحات؛ الأحاديث التي تدل على الإباحة.
القسم الأخير: الأفعال؛ أفعال النبي عليه الصلاة والسلام.
فهي خمسة أقسام، تحت كل قسم أنواع.
والغريب أن ابن حبان يقول: إنه ألَّف هذا الكتاب على هذه الطريقة ليُعَسِّر على من أراد الوقوف على الحديث أن يقف عليه، وصرح بذلك، يعني ما ألف الكتاب ويخفي هذا الغرض، بل يقول: أنا ألفت الكتاب حتى لا يمكن لأحد أن يقف على الحديث بسهولة في هذا الكتاب.
لِمَا فعل ذلك؟ فعله من أجل أن يُعسِّر على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - الاستفادة من كتابه؟
لا، وإنما يقول: لأني أريد أن أجبر من يريد أن ينتفع بكتابي أن يحفظ هذا الكتاب كاملًا، وضرب مثلًا بذلك القرآن الكريم، يقول: فإنك إذا جئت لشخص لا يحفظ القرآن الكريم وقلت له آية كذا أين؟ يقول: لا أستطيع إلا أن يستعرض القرآن كاملًا، أما إن كان حافظًا فهو مباشرة يقول: هذه في سورة كذا ويقرأ لك ما قبلها وما بعدها.
يقول: فأردت أن يكون صحيحي مثل القرآن من هذه الناحية؛ لا ينتفع به إلا من حفظه من أَلِفِه إلى يائه كاملًا، وفعل ذلك لأنه بدأ في زمنه يظهر على طلبة العلم ملامح النقص في الحفظ، فأراد أن يحثهم على الحفظ بهذا التصرف.
طبعًا للأسف الشديد أن هذا الفعل من ابن حبان أدى إلى قلة المستفيدين من كتابه لأن الهمم قصرت، بل جاء بعد ذلك عدد من أهل العلم ونكثوا غرض ابن حبان فرتبوا الكتاب ترتيبًا سهلًا وأعادوا ترتيبه