الصفحة 150 من 306

-سنعود لهذا الكلام بالشرح، لكن نكمل، فيقول:

وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأن هذا شيء ليس يعرفه إلا من صناعته الحديث، وليس كل مُعَدِّل يعرف صناعة الحديث حتى يُعَدِّل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا.

نقف مع هذا المقطع لأنه مهم جدًّا ومتعلق بأهم ما اتُّهِم به ابن حبان وهو قضية التساهل في توثيق المجاهيل.

أول شيء يقول في الشرط، يقول: العدالة في الدين بالستر الجميل.

العدالة في الدين هذا شرط صريح، بعضهم يتمسك بكلمة:"بالستر الجميل"وحملها على الاصطلاح المتأخر وهو: المستور، وأن المستور هو من عرفت عدالته الظاهرة دون الباطنة؛ أصلًا القول بأن مجهول العدالة الظاهرة مردود مطلقًا، هذا القول فيه نظر ويخالف كثيرًا من أهل العلم، ولعل الراجح هو هذا القول، لكن ما هو هذا الآن الذي يهمنا.

الذي يهمنا أن ابن حبان هل أراد بالستر الجميل هنا هو المستور؟

العبارة لا تؤدي هذا المعنى أبدًا، ونعرف أن هذا الاصطلاح أصلًا متأخِّر لم يكن معروفًا، ووجدنا أن العلماء في عصور متأخرة يستخدمون كلمة مستور بخلاف هذا المعنى تمامًا، فمثلًا تذكرون عبارة الإمام مسلم لَمِّا ذكر الثلاث رواة الذين هم من الطبقة الثانية التي يُخْرِج لها، قال: (وهؤلاء ممن يشملهم تعاطي الصدق والستر) .

مع أنه ليس واحد من هؤلاء الرواة مستور بالمعنى الاصطلاحي - يعني معلوم - بل معروفون تمامًا بالعدالة، إنما الضعف جاءهم من قِبَل صفة الضبط فقط، فهم معلومون العدالة الظاهرة والباطنة، إنما تُكُلِّم فيهم من جهة الضبط؛ فهذا مسلم يستخدم كلمة (الستر) بالمعنى اللغوي المعهود المذكور.

ما معنى الستر، لو تقول: فلان مستور؟! وإلى الآن الناس يستخدمون هذه العبارة، إذا سُئِلْتَ عن فلان تقول: رجلٌ خَيِّرٌ وكذا ... مستور. ماذا تقصد بمستور؟ يعني أن الله عز وجل ستر عليه فلم يُفْتَضَح بمعصية أمام الناس؛ هذا هو المقصود بها، لأنه معروف أن كل إنسان له معاصٍ، فلولا أن الله عز وجل شملنا بسِتْره لَافْتَضَحْنَا جميعًا، ما في إنسان يخلو من معصية.

فهذا هو المقصود في كلام ابن حبان، وقد كرر هذه العبارة على نفسه أيضًا في نفس المقدمة مثلًا، يقول في أواخرها - مما يدل على أن هذا الاستخدام شائع عند ابن حبان وعند غيره - يدعو لنفسه بدعاء في آخر كتابه، يقول:"جعلنا الله ممن أسبل عليه جلابيب الستر في الدنيا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت